فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 553

هذا الإغراء وشد الأزر من المنافقين لإخوانهم من كفرة أهل الكتاب مثاله هذا المثل، وهو مثل السوء، فأليق ما يشابهون هو الشيطان في إغوائهم وتقويتهم فإن جدّ الجد حاصوا كالحمر لا يلوون على شيء، وهو تذكير لما وقع من الشيطان يوم بدر في قوله تعالى في سورة الأنفال: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب} فهو يتولى عنهم في كل موطن، فقد تولى عنهم عند كفرهم لما يرى من عذاب الله للكافرين، وهو تولى عنهم عند القتال، وهو سيتولى عنهم يوم القيامة وهم في النار كما قال الله تعالى عن خطبته في سورة إبراهين (( وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم، وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم ) )وقد صدق الله قوله بعدم وجود سلطان له على أوليائه حين قال في سورة سبأ: (( ولقد صدق عليهم إليس ظنه فاتبعوه إلا فريقًا من المؤمنين، وما كان عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن منها في شك وربك على كل شيء حفيظ ) )وأما قوله سبحانه وتعالى في سورة النحل: (( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، إنه ليس عليه سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ) )فهذا السلطان هو من باب الود والقرب الحاصل بينهم لأنهم يتولونه فأسلموا هم قيدته لهم ليوحي لهم ما يحبون من الشر، وأما سلطان القهر والغلبة فليس للشيطان من هذا في شيء، وموضوع الشيطان مع الإنسان مفصل أبسط وأوفى تفصيل في ما جرى بينه وبين أبينا في السماء، كما في مواطن عدة في القرآن، وفيها الكثير من الفوائد التي تغري طلبة العلم أن ينشطوا لها ليستخرجوا كنوزها نصحًا للأمة وكشفًا لأسلوب هذا العدو، وهي في تنوعها أسلوبًا في القرآن فهي متنوعة علمًا ومتعددة الفوائد في هذا التنوع، فلينشط لها الأذكياء.

فحال المنافقين مع أهل الكتاب أنهم اوقفوهم على شفير الهلكة، ودفعوهم إلى حتفهم ثم تولوا عنهم، فهم شياطين الإنس، وما فعلوه هو ما يفلعه شيطان الجن مع الإنس في إغرائهم بالكفر حتى إذا كفر قال: إني بريء منك، ومن مكر الشيطان أنه علله برائه من تابعه بقوله:- إني أخاف الله رب العالمين. ولكن هل يخاف الله من زين الكفر للإنسان حتى أكفره؟ هذا ما يفعله الكثير من شياطين الإنس في هذه الأرض، إذ يمهدون سبل المعصية، ويقضون على موانعها، ويحاربون إعداءها من الدعاة حتى إذا عصوا قالوا: لم نرد هذا ولم نقصده منهم.

هم عرب الموحدين، فهم أشد ضراوة ضد من يعبد الله ويكفر بالطاغوت، مع لين وحب وود لكل فجر وكفر وفسد، ومع ذلك يزعمون أنهم حماة الدين وأهل الإسلام.

إنها لعبة الشيطان بأتباعه، وهي لعبة شياطين الانس بحميرهم ودوابهم، ولكن الله لهم بالمرصاد: (( فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين ) )، إنها عاقبة الشيطان وتابعه الذي وافقه واطاعه، ونار الدنيا هي عاقبة كل كافر أتى إلى بلادنا بإغراء المنافقين، إنه لن يجد الورود في استقباله كما وعدهم المنافقون من الزنادقة في العراق وغيرها، بل سيكون وجودهم سببًا لفتح سوق الجهاد ليحصل الفضل الإلهي للمؤمنين والعذاب الدنيوي للكافرين.

هكذا تنتهي الحكمة الإلهية في عرض معركة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع اليهود من بني النضير، معكرة من نوع خاص، حملت للمؤمنين حكمة الوجود، وأسباب الرزق، وشرعية التملك، وبناء المجتمع المسلم في صورة من صور البهاء الإيماني الرائع، ثم راحت تصف الصف المقابل، فتكشف دخائله الباطنة، وعلاقته المخادعة، ونفسيته المنهارة، وتكشف صنفًا من داخل المجتمع المسلم على وحه سيتجدد في كل عصر، من خلال أفعالهم ونفوسهم المريضة، وهي مقدمات لأحكام أتت بعد ذلك في حق هؤلاء، هي الأقسى، لأنها هي الملائمة لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت