فهرس الكتاب
من ذا الذي يخفى عليك إذا نظرت إلى حديثه؟!
والمرء مخبوء تحت لسانه، يبين به عما في قلبه، فهؤلاء يظهرون بغضهم لهذا الدين من خلال فلتات ألسنتهم، وذلك حين يتحدثون عن المسلمين والكافرين، ومن ذلك أنهم أرق الناس خطابًا للكافرين والزنادقة وأعداء الدين، يتوددون إليهم ويرفقون بهم، ويبشون في جوههم، ويلينون لهم الكلام والخطاب حتى كأنه الشهد، فإن جاء حديثهم عن المؤمنين وخاصة المجاهدين فحينها ترى الغرائب، من قوارع القول، وفجاجة الخطاب، والتعالي بالنفس، وقذف النوايا بالسوء والشر، وترديد التهم الباطلة، وكشف ما ستره الله تعالى من الزلل والخطأ، فهو حديث البغض يسيل على ألسنتهم الحداد، (( وما تخفي صدورهم أكبر ) )من وقوع الهزيمة، وذهاب النفوس، وغلبة المشركين، وقلة الناصر والمجاهد، فما في قلوبهم من البغض هو أشد مما ظهر على ألسنتهم من الخطاب.
ففي هذه الآية كشف رباني أن ما تقوله أفواههم ليس من باب النصح، وليس من باب الحب، ولا على قاعدة أبي تمام -قسا ليزدجر- بل هو القليل مما تخفيه قلوبهم، فلا يقبل لهم عذر حين تكون ألسنتهم وأفواههم مشتركة في الهجوم مع مدافع وجيوش الكافرين، طعنًا وتخذيلًا وكشفًا للعورات، ورميًا للتهم الظالمة، بل هم (( العدو فاحذرهم ) )والله من ورائهم محيط.
هذا تحذير رباني للمؤمنين، بأن يعقلوا ويفهموا ويهتدوا لما يخاطبهم الله به، إذ أن الصور الظاهرة قد تخدع، أو طول الزمان قد ينسيكم، أو أيمان الخائنين قد تحرفكم إلى صفهم، فإياكم وهذا، فهذه هي آيات الله لكم إن كنتم تعقلون.
{ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله، وإذا لقوكم قالوا آمنا، وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ، قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور} .
هذا كشف رباني لنفوسنا التي تتعامل مع الحياة وصعوبتها وقوانينها الصارمة من خلال العاطفة، كشف رقيق لما يحسه المؤمن من مشاعر حب نحو آخرين هو السم الزعاف، هذه المشاعر لأن المؤمن سليم القلب، صادق الحس، وفيّ للأخوة حتى لو كانت للحظة، ذاكر للحسنات حتى لو كانت كلمة، ولذلك هم يحبونهم، إنه التنبيه على خطأ في سياق يخفي تحته المدح لهم، ووالله إن المؤمن كذلك، كيف ينسى رفقة السنين؟، وكيف يكسر روابط الوفاء القديمة، وكيف يغضي طرفًا عن ابن لأم مسّدت على شعره يومًا، أو أكرمته بهدية الطفولة حانية؟! لذلك هم يحبونهم. لكن هل كل هذا يصلح قانونًا لدولة؟ أو يصلح حين يكيد الآخر للحياة؟!
هذا أنت، فمن هو؟
(( ولا يحبونكم ) )هذه نفوسهم، وهذه عواطفهم نحوكم، لا يحبونكم لأنكم آمنتم بالله فأعزّكم، وهم قد كفروا بالله فأذلهم، فحسدوكم.
لا يحبونكم لأنهم كانوا معكم في حمأة القذارة والمعصية فلما تطهرتم بالإيمان، وشدتهم أهواؤهم إلى قعر الحمأة نفح الشيطان فيهم فباض وفرخ فامتلأوا حقدًا عليهم.