فهرس الكتاب
وهو شعور الصحابة رضي الله عنهم بالتأثر من هذا القصف الموجه إلى عقولهم ونفوسهم، فهو يقول لقريش:- إن كان القتال في الأشهر الحرم كبير فاعلموا أن ما تفعلونه من جرائم ومصائب هي أكبر عند الله، فأنتم صددتم عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وأخرجتم أهله منه، وإن محاولتكم فتن المسلمين عن دينهم هي أكبر من قتل النفوس، ثم جعل الله هذه الدعاية والتشويش وقصف العقول قتالًا- ولا يزالون يقاتلوكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا- ثم حذر المؤمنين من الإستجابة لهذه الدعاية وأسلوبها ومرادها:- {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} .
هذه هي المعركة الدائمة لأنها مقصود كل الحروب، ومقصود كل الانفاق، وهي قبل الحرب وخلال الحرب وبعد الحرب.
وهي معركة المجاهدين اليوم حين تشتغل الآلة الإعلامية الهائلة، والتي ينفق عليها بمقدار ما ينفق على الجيوش من أموال، ويرصد لها من الطاقات كما الجيوش، فتتحرك هذه الآلة لإخبال العقول، وتديرها حتى تصبح أسيرة منقادة لخصمها، وبعضهم من هو حسن النية، لكنه في عرف هذه المعركة يسمّى بالمغفل النافع، وهو الخصم الذي يخدمني أكثر مما يخدمني جنديّي، فهو ينشط بإخلاص زاعمًا أنه ينافح عن الحق.
تبدأ هذه المدافع الإعلامية بتعظيم أخطاء المؤمنين إن وجدت أخطاء، وهي لا بدّ منها في أي معركة إنسانية، وتقبيح الأفعال المجيدة وتنفير الناس منها، وصرف الناس عن إجرام الكفر وأهله، وأمور أخرى كثيرة تسير في كل يوم، وفي كل خبر، وفينا سماعون لهم، مع طمس المجاهدين ومنعهم من أن يكشفوا حقيقة أو يدافعوا عن موقف، وينتهي الغثاء إلى أن يكون بوقًا للكافرين، عدوًا للمجاهدين المؤمنين -وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
ما أحوج مشايخنا ومفكرينا وأصحاب العمائم واللحى اليوم إلى آيات سورة النور ليعملوها مع المجاهدين بدل أن يخوضوا مع الخائضين، ويصبح الواحد منهم مجرد قشة رخيصة ضمن ركام يسير به تيار الكفر إلى مستقره الذي يريده منه، كما يسير الماء بالغثاء إلى حتفه. ونحن نقول لهم ولنا ما أحوجنا إلى آيات سورة النور في التعامل مع المؤمنين، لكن في حقيقة الأمر أين العلماء اليوم من القرآن كله، مع أنهم يقولون في كل حديث:- لا عز لنا إلا بعودتنا إلى الكتاب والسنة، فإذا سئل أحدهم مثل ماذا؟ حينها ترى الإجابات العجيبة، والأقوال التي تضحك الثكلى، ولولا إجلالي لهذا المقام لذكرت بعض ما سمعت، لكن جهالته ستضحك العقلاء، والموطن موطن أسى وألم على واقع هؤلاء الذين ترجو الأمة قيادتهم وأفكارهم وإجتهاداتهم.
{لا يألونكم خبالًا} يدسون لكم السم حتى تصبحوا صرعى أسرى بهم لأنكم فقدتم الرشد والهدى، (( ودوا ما عنتم ) )وإنّ رعبتهم وشهوتهم في هذه الحياة أن لا تقوموا من مصيبة تلحق بكم، فهم يتمنون لكم العنت والنّصب والتعب حتى يكون حتفكم، فإنهم يودون ويحبون ما يتعبكم.
{قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر}
فالأمر كما قال أو العتاهية:-