فهرس الكتاب
آيات غزوة أحد كانت فاتحتها عن المنافقين في قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودّوا ما عنتم ... إلى قوله تعالى (( وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا إن الله بما يعملون محيط ) )
بهذه الآيات يتم التقدمة ليكون ما بعدها وصف المعركة (( وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم ) ).
في هذه الآيات لم يذكر الله تعالى اسم النفاق بل ذكر صفاته، لأن القضية حديث عن الصحابة وتعاملهم مع هؤلاء، وليس الحديث عن المنافقين، فهو خطاب للمؤمنين، فهم المقصودون، والقضية تتعلق بسلوك المؤمنين وأمر الله باتخاذ الموقف الصحيح منهم، والإرشاد الرباني فيها عام لا يختص بالموقف من المنافقين بل بكل ما كان من غير المؤمنين لقوله تعالى- من دونكم - أي من غيركم.
{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون}
بطانة الثوب هي ما يلي البدن، وبطانة الرجل هي من يسر لها ما يخفيه عن بقية الناس لقربهم منه، وقوة صلته معهم، والله ينهى المؤمنين من اتخاذ من كانت هذه صفته بطانة لهم، يقربونهم ويدنونهم ويشاورونهم ويسارونهم في شؤونهم وقضاياهم، وهذه قضية جماعية تتعلق بالأمة لا بالفرد فقط، فهي تتعلق بأصحاب القرار قبل غيرهم، لأن خطأهم في هذا جناية على الأمة جميعها.
أما صفاتهم فهي: لا يألونكم خبالًا؛ أي لا يدخرون وسعًا ولا جهدًا في إفسادكم، والخبال يطلق على عموم الفساد لكنه أخص ما يكون في العقل والذهن، فجهدهم موجه إلى عقولكم وأذهانكم ونفوسكم، فهي المقصودة بالقصف، لأن اصابتها هو إصابة لعموم حياة المؤمنين، والخبال فساد يطرأ على الذهن هو أقرب ما يكون إلى السفه والجنون، وإذا كانت هذه الآيات -وهي كذلك- مقدمة لحدث جهادي فإن هذا يعني أن كل ما يتعلق بموضوع الجهاد من إفساد له أو تفسير قضاياه على غير منهج القرآن هو سفه وجنون، وهو مقصود هذه الطائفة الخبيثة، وقصف العقول هذا هو أخطر ما يواجهه المجاهدون وقادتهم، ولو تأمل المرء سبب نزول الآية في سورة البقرة وهي قوله سبحانه وتعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله، والفتنة أكبر من القتل، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردونكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} وسببها كما علم أن أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل مشركًا في الأشهر الحرم، فاشتعلت آلة الدعاية القرشية ضد النبي صلى الله عليه وسلم لترفع عنه شرعية الإنتماء إلى إبراهيم عليه السلام، وتعظيمه ما تعظمه العرب من الأشهر الحرم، مع أن قريش هم أسُّ النسيء الذي سماه الله كفرًا (( إنما النسيء زيادة في الكفر ) )إذ كانوا يؤخرون الأشهر الحرم إلى شهور أخرى متى اشتهوا أن يقاتلوا خصومهم فيها، لكنها الدعاية الرخيصة لتنفير الناس عن هذا الدين وأهله، ومن خلال قوة قصف الدعاية التي شنتها قريش نتج عن هذا التساؤل:"يسألونك عن الشهر الحرام"فجاء البيان القرآني بكشف فعل الخصم الكافر وإجرامه ومصائبه وتعديه على قيم الوجود، فالقرآن لم يقف في هذه الآية على سؤال المتسائلين فقط، لكن رد على باعث السؤال