فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 553

ورغباتها، وجلى للمؤمنين أنفسهم دون تعرض قط إلى أخبار المشركين، إذ لم يأت على ذكرهم البتة، وكأنهم غائبون عن المشهد بالكلية، فالحديث كله عن الحضور الذاتي للطائفة المؤمنة وما هي فيه، وما هي عليه، فقوّم كلماتهم وانفعالاتهم ومواقفهم، وعالج كل المواقف وخاصة الإيمانية منها، إذ شفى النفوس من آلامها وأحزانها، شفى حزن الحبيب الذي فارقه حبيبًا أن حبيبه هناك في جنة الفردوس يدعو الله أن يلحق به المنتظر، وشفى حزنهم حين رأوا رسول الله صلى الله عليهم وسلم يصاب حتى ليكاد يؤخذ من بينهم، وعلمهم قدر الموت وما هو معناه، وأن المتأخر ليس بناج منه ولكنها أيام، وعلمهم أن الموت في سبيل الله أفضل من بقائهم في الدنيا يجمعون فيها ما يحبون منها.

لم يؤاخذهم الله قط على اختيارهم للخروج، ولم يعلق على هذا بشيء، إذ ليس الخطأ في الخروج، ولو اختاروا التحصن في المدينة لما كان خطأ كذلك إلا إذ خلع رسول الله لأمته أن يلبسها دون أن يقاتل، فلقد شاورهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توكل على الله إذ عزم على الخروج، ولكن كان العيب والمؤاخذة حين تطبيق خطة الغزوة بأن فريقًا منهم نزعهم حب الدنيا إلى خطأ كان فيه تولي النّصر، وكان العيب على المنافقين الذين أطلقوا ألسنتهم بأن سبب المصيبة والقرح إنما هو ترك رأيهم بعدم الخروج.

كان الوقوف مع المخطئين في تطبيق خطة المعركة يسيرًا، ستره الله بأن عفى عنهم، لكن كان الوقوف مع أصحاب ألسنة السوء قويًا وهادرًا وموبّخًا ومقرعًا.

كان وقوفًا يخلع القلوب لو كانت تصغي أو تفقه كلام الله لها، وكان تعليمًا للأمة في كل حروبها أن لا تقع في هذا الوادي الخبيث من الأقوال والمواقف والتقديرات.

كانت آيات عظيمة فيها التوبيخ لكل من رمى المجاهدين أنهم سبب البلاء، وأن أفعالهم هي التي ألحقت الموت بإخوانهم أو أهلهم، أو أخربت بيوتهم، أو أذهبت عنهم بعض أموالهم، أو سجنت الناس، لأن هذه كلها أقدار ستقع في الناس سواء خرجوا للجهاد أم لم يخرجوا، فالمنافقون يرون أن الموت يأتي على الناس بلا جهاد ولا قتال، ويأتي دمار البيوت وخسران الأموال بالعوارض على الجالسين دون نفير لقتال، ويرون أن السجون ملأى قبل الجهاد وبعده، لكن فضل الجهاد على هذه الأفعال أنها كانت لله فهي خير مما يجمعون.

هي إرشاد للمجاهدين أن لا يغيروا الطريق ولا يستبدلوها بطرق الهوان، فإن النّصر أن تبقى مواصلًا على هذا الطريق محافظًا على إيمانك وثقتك بالله تعالى.

لنعمة الهداية والإرشاد والتوبة والكشف كانت هذه الآيات العظيمة.

والآن مع آيات سورة آل عمران وهي تهدينا وترشدنا وتعلمنا غزوة أحد.

قدّمنا أنّ الله تعالى قدّم خبر غزوة بدر قبل أن يأتي على خبر غزوة أحد، وأشرنا إلى قيمة هذه التقدمة في الباب الأول في غزوة بدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت