فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 553

جاءت هذه الغزوة لتكون محطة كمحطة بدر، تحصل في كل زمن، ويحصل بعض معانيها في كثير من المعارك، حتى المعارك التي يحصل بها النصر، حين يقع القرح في بعض المؤمنين فيكون لهم موقف الإيمان والهداية ويكون للمنافقين موقف الطعن والثلب والإستهزاء.

فهذه غزوة الحياة، كغزوة بدر، لا تفترق عنها بشي، وهي شقيقتها، تتوزع على حياة المجاهد مع غزوة بدر، مرة هذه ومرة الأخرى، وفي مرة يجتمعان في وقت واحد، لأن معركة الإيمان مع الكفر-يوم لنا ويوم علينا- وفي كثير من معارك أهل الإسلام يكون اليوم نفسه علينا ولنا، كما هو للكافرين وعليهم، لكن العاقبة للمتقين.

هذه الغزوة العظيمة الجليلة كان لها آيات جليلة مهيبة في سورة آل عمران، لهذه الآيات خصوصية الحديث عنا، عن الإنسان فينا، وعن طوائفنا، وطرق تفكيرنا، ومناهج تفسيرنا لوقوع القرح فينا، وأرست لنا من قواعد الحق ما يردع المتلبسين لبوس النصح الكاذب حين يقع البلاء بسبب الجهاد.

آيات تلقي ظلال الرحمة على المخطئين من المجاهدين، وترأف بهم حتى لو أخطؤوا، لكنها jلقي جمر الغضب الإلهي على المنافقين الذين يدعون الوعي بالعواقب، ويسيرون مخذلين حتى يقع ما يحبون فيصرخون: لقد قلنا لكم.

آيات تسمي المقتول في حرب يخسرها المجاهدين لخطأ يرتكبونه شهيدًا، وتسمي الآخرين قعودًا، فيستبشر الشهيد ويبوء القاعد بسخط الله.

إن غزوة أحد نعمة إلهية على المجاهدين في كل زمان، نعمة لأنها تقول لهم أن طريق الجهاد حق حتى لو أصابكم في مواطنه القرح.

ونعمة ألهية لأنها علمتهم إن ماتوا في معركة لريح انقلبت عليهم فإن الله أرادهم عنده شهداء، وعلّمت من بقي أن لا يهن ولا يحزن، بل استجيبوا لأمر الله لمعركة أخرى قادمة فلا تخشوا الناس بل قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل.

كما أن كل معركة هي بدر لأن الملائكة تنزل، فكذلك في كل معركة أحد والملائكة كذلك تنزل، وكما أن كل معركة هي للمجاهدين بدر لأن النوم يغشاهم أمانًا، فكذلك هي أحد كان النوم فيها أمانًا لهم، وأما أيام الدنيا فهي دول بين الناس بها يتبين المؤمن من غيره.

هذه الغزوة تواعد الناس فيها، وتشاور النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في الطريقة الأمثل في مواجهة جيش قريش الذي أنفقت عليه أموال العير التي سلمت مع أبي سفيان يوم بدر، فمنهم من أشار بالمكوث في المدينة والتحصن فيها، حتى إذا دخلت قريش أصابوا منهم في داخل المدينة ما استطاعوا، وقالت الروايات إن هذا كان رأيًا للنبي صلى الله عليه وسلم وللأشياخ، وأما غيرهم فقد رأوا في هذا عيبًا، فقالوا: لابدّ من الخروج وملاقاتهم، فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراره لأمته أن يخرج، فلبس لأمته، وتجهز الناس للخروج، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم مسافة رجع قوم من المنافقين إذ لم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم رأيهم وقصّ القرآن كما سيأتي ضرهم، وتم ما تم من أخبار الغزوة المشهورة والقرآن الكريم سجل المواقف النفسية والغيبية أكثر من غيرها، ووقف على أحاديث النفوس وخطراتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت