فهرس الكتاب
القوم-. تقول لهم هذا الأمر وهم يتألمون من مصابهم الذي هم فيه، فهل هناك أعظم من هذا الدين في تأهيل أتباعه لهذه المرحلة من الرقي الإنساني، والعزة، وعدم الإستسلام للآلم والجراح وكبوات الطريق؟!
هذا هو البناء القرآني للإنسان المسلم، تأمله وقلب نظرك فيه، واهتد بهداه، ثم ارم بنظرك إلى واقعك، فتأمل جماعات المسلمين وخطبهم ودروسهم ومؤلفاتهم، واختبر هدايتهم لهذا الهدي، حينها تعرف لماذا صنع القرآن بصبغته الإلهية المسلم الصحابي، ولماذا عجزت هذه المشيخات والجماعات أن تضع قدمها على الطريق الصحيح في التغيير مع أنها كلها ترفع شعار التجديد وإحياء الكتاب والسنة.
إن الذين يظنون أنه بمجرد إحياء كتب السلف في معالجة المسائل العقدية والفقهية وتصحيحها يحصل لهم التغيير هم كذلك واهمون، لأن هذه هي مجرد أدوات لا يحارب بها إلا إنسان قد ارتقى في مشاعره النفسية بأنه الأعز والأعلى والأقدر على قيادة البشرية، وبما يملكه من قيم حياتية سننية هي الوحيدة والكافية لهذه القيادة.
من أجل هذا نقول ما نقول عن الجهاد، ليس لأنه حالة انفعال لمرحلة يعيشها شاب يتحمس كما يقول البعض، ولا لأنه يعبر عن غضب لشخصية إنفعالية، ولا لأن الجهاد وفيه إستخدام للسلاح الذي يطرب الإنسان الشجاع، ولا لأنه تنفيس لثأر من مجرمين عتاة ولغوا في الدماء والأمراض والأهوال، فليس لهذه الأسباب دعوتنا للجهاد، بل لأن الجهاد هو أرقى وعي إنساني على الحياة أولًا، ولأنه الوحيد الذي يعبر عن قيم الإيمان بالله تعالى، ولذلك هو ذروة سنام الإسلام، والإسلام بلا جهاد يعني إنسانًا كلًا على مولاه أينما يوجهه لا يأتي بخير لعدم وعيه على سنن الحياة وقيمها، كما هو حال جماعات ومشيخات اليوم، والإسلام بلا جهاد يعني إنسانًا ذليلًا، مهانًا، دائم الشكوى والحزن من واقعه وإن كان فيه صبر فهو صبر البهائم في ذلتها وهوانها.
الجهاد الذي ندعو إليه وتؤمن الجماعات المهدية به هو الطريق الحضاري الوحيد، وهو الطريق الإنساني الوحيد لتحقيق مقاصد المسلم في الوجود، وهو الطريق الوحيد لبناء الأمم واتساع مبادئها وثبات هذه الأمم وهذه المبادئ أمام محن الحياة ومصاعبها، ولذلك قال تعالى (( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) )- أي الجهاد، وإن أكثر ما يحزنني في واقع المسلمين هم أولئك المخلصون الذين يظنون أن الواقع الذي نعيش يحتاج إلى أكثر من مجرد قتال ضد أعداء الله، إذ يرون أن المشكلة في الآية هي مشكلة معرفية تتعلق بقيم الشهادة على الخلق، فيبعدون النجعة في نبطهم وتعبهم لتحقيق معنى الشهادة على الخلق من خلال تربية الوعي في المسلمين، فبعضهم يقول لا صلاح لأمتنا إلا بانتشار السنن وترك البدع، وآخرون يقولون لا صلاح لها إلا من خلال الصلاح والتقوى بمفهومها النسكي، وأفكار هنا وهناك، وينسون ميدان تحقيق الصلاح والتقوى والشهادة على الخلق، وينسون التربية العملية التي تحقق وعي المسلم على الحياة، وهذان لا سبيل لهما إلا بالجهاد في سبيل الله، فالجهاد ليس قنبلة تلقى، ولا عملية اغتيال، لكن الجهاد أي القتال هو حياة الأمة المسلمة، فيه ما ذكر، إذ قد يبدأ بواحدة من هذه الأمور، لكن لا يقف بل يسير كما يسير أي اختيار لوسائل الحياة، فيقوى ويبتلى، فينجح حينًا، ويخفق أخرى، وقد يباد أهله في مكان وتنتهي دورة الحياة معهم إلى الأخدود، لكن سيأتي الوارثون في نفس المكان أو مكان آخر، ويدوم الإختيار لهذه الذروة الإيمانية حتى تتحقق الشهادة على الخلق في كل ذروة بما يناسب الظرف السنني الملائم لها، فليس مطلوبًا في كل جهاد أن تتحقق كل مطالبه، إذ قد توجد موانع هذه المقاصد وخاصة ما يسمى بعدم