فهرس الكتاب
هؤلاء المرحومين بالهداية، أقول نسي هؤلاء كلهم أن ركن التغيير هو الجانب النفسي المرافق لسنن المعرفة القرآنية لهذا الوجود الإنساني.
لا يمكن أبدًا، ولن يتحقق أي تغير في واقع المسلمين باتقان العبادات على وجه سنني، ولا بترك البدع النسكية بين المسلمين، ولا بكثرة العبادة الفردية للإنسان المسلم ما لم تنتفض إرادته وتستقيم نفسيته ويهتدي عقله إلى أهميته في الحياة ودوره فيها وتبصره بسننها.
هذه هداية القرآن وغير ذلك آراء رجال، وإفرازات أفكار ذاتية، ورؤى حالمة جميلة، قد يحصل بها أتباع لكنهم يحفرون في أماكنهم، ومهما فعلوا فلن يموتوا إلا في النقطة التي بدؤوا منها، والواقع هو الدليل، فها هي الجماعات والمشيخات منذ قرن من الزمان وهي في نقطة العدم مع قوله تعالى (( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) )، ولكن مع قلة مجاهدة هنا وهناك يحصل الحراك ويبصر الناس التأثير، وبمقدار وعي الأتباع المجاهدين على هاتين القضيتين تحصل الآثار وتزدهر الأسواق التي يحبها الله والمؤمنون.
{ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}
تأمل هذه الآية، وتأمل واقعك، حينها ستدرك لماذا غيّر الناس من جماعات ومشيخات الطريق الرباني بترك الجهاد إلى طرق أخرى، إنه الهوان الذي ضرب في القلوب وامتد إلى شرايين الحياة، وإنه الحزن الذي شلّ حركتهم وأقعدهم عن معالجة أزماتهم بما يحب الله تعالى من وسائل، وسبب ذلك أنهم لم يفهموا علو الإيمان الذي منّ الله تعالى عليهم به، ولم يدركوا معالمه التي فيها -وفيها فقط- ما يصلح كل الأزمات والمصائب التي يلاقونها.
إن واقعهم وهو واقعنا دل على أننا ذهبنا نعالج قضايانا من خارج دائرة الإيمان العزيز، فصرنا أذن شر نتلقى فيها كل زبالات الناس وقذاراتهم، لقد صرنا تبعًا لهم، ففقدنا عزة الإيمان، وحق علينا ما فرضه الله في سنة الحياة -ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذًا من الظالمين-.
من دون البناء النفسي للإيمان، ومن دون إدراك قيم الإيمان المعرفية للحياة فلا تغيير ولا تبديل، ولذلك قال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) , {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}
هذه موعظة ربانية وهي أمر واجب وركن من أركان مهنة المسلم في الحياة يقولها الله لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد، فهي تمسح الجراح وتعزيهم بالمصاب، فهو يقول لهم: لقد سَلم لكم الأمر العظيم، فهو ما زال معكم، فلا تهنوا في مواصلة الطريق، ولا تحزنوا على ما فاتكم من النصر ووقوع الشهداء، إذ بقي لكم إيمانكم، وبهذا الإيمان أنتم الأعلون، فأنتم المنتصرون، وهكذا يقلب الله لهم نتيجة المعركة من خلال تعديل ميزان الحكم على وقائع الحياة، وبهذا التعديل يعرف المسلمون معنى الربح والخسارة في معارك الإيمان ضد أعداء المهمة الرسالية لأن الله يقول لهم -ولاتهنوا- وهذه مفسرة في آية أخرى في سورة النساء في قوله (( ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليمًا حكيمًا ) ). وهي آية بينة في دلالتها على أمر الغزو لقوله -ابتغاء