فهرس الكتاب
{ولاتهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}
هذه عمدة القضية في كل معركة يخوضها المؤمن ضد أعداء الله تعالى، وعليها يدور كل الصراع، ومن أجلها تخاض الحروب بين المؤمنين والكافرين، وهي وقود المؤمن في مواصلته للطريق مهما أصابته المحن أو ضرسته الحروب، لأنّ الهزيمة الكبرى هي هزيمة الإيمان في النفوس، فإذا بقي الإيمان فقد هان كل شيء قد ذهب، لأنه بالإيمان وبعدم الهوان سيعود وستتجدد المعركة وتبقى القضية حية، أما إن ذهب الإيمان فسيذهب كل شيء حتى لو بقي لوقت طويل، فالمصائب حالة إنسانية، والكوارث قدر إلهي لا ينفك عنه أحد، فلتبق الطريق موصولة بالعطاء والمثابرة والثبات>
كيف يهن المرء المؤمن وكيف يحزن وقد نجى الله له دينه وإيمانه؟! إن المصيبة كل المصيبة أن يصاب المرء بدينه فحينها هي الداهية التي لا داهية فوقها.
هذا إرشاد القرآن، وهذا تعليمه، وهذا واجب من واجبات الإسلام العظيم في تربية المسلم الصحابي القرآني، حيث يتوجه الخطاب إلى نفسيته، ليرتقي بها حين حلول الحوادث والكوارث، فهذه الموعظة هي ما تحتاجه الأمة للعودة إلى عزتها وقيادتها للعالم، لأنها بدون هذه القاعدة الحياتية العظيمة سترتكس بمجرد أول مصيبة تحل بها، وتظن أن الأمر قد انتهى.
إن وجود هذه القواعد الإيمانية الواجبة لحياة المؤمنين بصفتهم جماعة ربانية عزيزة، وبكونهم بعثوا من أجل هداية الخلق وقيادة البشرية يوجب على العلماء والدعاة أن يكتبوا في هذا العلم، ويعظوا في هذا الباب العظيم، وهو باب الإعداد النفسي، وتعميق القواعد الربانية في العقول والقلوب، وهذا من مهمات الدين، بل هو من أعظم مهماته لهذه الحياة، فإن الإيمان ليس شعورًا باطنيًا غيبيًا يتعلق بالأجور الأخروية فقط، بل هو تربية لمهمة دنيوية جليلة تستغرق الحياة وما بعد الحياة، فالتأهيل النفسي يجب أن يتوافق مع القواعد الحياتية، وهذا ما تصنعه الآيات الربانية كهذه الآية وغيرها، وهو الجانب الأول بل وإلى العاشر الذي جعل الإنسان العربي الكامن في الصحراء بلا أفق ولا علم ولا مهمة حياتية ينطلق إلى الوجود، وإلى البشرية جميعها ليعلمها الحياة وقيمتها، ويدعوها إلى الإسلام العظيم، وحين تتخلى الأمة عن هذه التربية، وتسقط من قيمها التربوية هذا الإعداد حينها تعود إلى مجرد رقم عادي بل وهزيل في الحياة، وهذا الواجب الرباني أعظم بكثير من السنن والواجبات التي ينشط لها العلماء والدعاة والخطباء، بل هي ركن مهمة المسلم في الحياة، وهي أثر من آثار الإيمان الصحيح الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يحصل هذا الأثر دل على إيمان ضعيف، أو إيمان فيه جهل كبير.
لقد ظن الكثير من دعاة التجديد وإحياء الدين أن الإستغراق في بيان أحكام الشريعة الفقهية هو الذي يحقق للأمة عزتها ويخرجها من ذلها وهوانها وكبوتها، فنشطوا لهذه المهمة، فكتبوا ووعظوا وناظروا، وقد تحقق الكثير مما يريدون حيث انتشرت المعارف الفقهية، وخبت الكثير من البدع ولكن لم يتغير شيء في عالم الواقع بالنسبة للمسلمين، فالحال هو الحال، بل إن الإحصاء الصحيح يدل على أن الخط البياني للجاهلية هو الأكثر في مجتمعات المسلمين، وهذا مما جعل الكثير من أتباع هذا الخط الإحيائي والتجديدي يعيدون النظر في هذه المهمة، إذ لم تحقق نتائجها التي يريدونها، فشرقوا وغربوا، ونسي هؤلاء كلهم إلا من رحم الله وهم قلة، ولو شئت لذكرت فيما أعلم أسماء ربما لا تزيد عن أصابع اليدين الاثنتين من