فهرس الكتاب
فالوعي على التاريخ يعني الوعي على علاقة الإنسان بربه وعلاقته بتعليمات رسله، وغير ذلك إنما هي دراسات أشبه بدراسة تاريخ النمل الأبيض وصراعه ضد النمل الأسود.
من أجل هذا يقول لنا ربنا:"سيروا في الأرض"فالأرض هي مكان الحدث، بزمانه ووقائعه ونتائجه وآثاره، لنقرأ سيرة التاريخ وعبرته، ونرى يد الله كيف تعمل في العمران والبلاد والناس، فهذه هي سنة الله في المكذبين، شاهدة عليهم آثارهم، كيف أخذهم الله فتلك بيوتهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلًا، وكان الله لها وارثًا، وها نحن اليوم نرى كيف يتحول العمران إلى خراب في أماكن تشهد أن السنة ما زالت جارية وتعمل عملها، وأن إرادة الله تعالى في حركة الإنسان وعمارته ووجوده ليست خافية على المبصرين.
إن هؤلاء الذين يعيشون في غفلة في ما يبنون من شواهق، وما أفاض الله عليهم من نعم من نفط أو غيره لم يدركوا سنة الله في التبديل والتغيير، فقد سبقهم في هذا أقوام كانت أماكنهم جارية على شطر الأرض فغاب سلطانهم وذهبت قوتهم.
لقد كان هناك الكثير من أمثال سبأ في بلدان حول هؤلاء الغافلين فها هي عادت بلا قصر لا يوجد إلا اليباب.
لكن هذا هو الإنسان يسير في نفس درب السابقين لا يعتبر كما قال تعالى (( فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون، فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين، فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك المبطلون ) )
إننا نستطيع أن نقول الكثير في مناسبة هذه الآية (( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) )مع موضوع أحد، ولكن عموم هذه الآية في قضية الحياة أهم وأشمل، ولكن سيأتي من حديث القرآن عن سنن الله مع البشر، مؤمنهم وكافرهم، وسنقف عندها إن شاء الله فيما يختص في قضية الجهاد.
{هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين}
أما أنه بيان لكل الناس فلأنه يكشف لهم مراد الله فيهم، وحكم الله فيهم، وعاقبة كل فريق، وسنن الله في الحياة الدنيا والآخرة، وحكمة وجودهم، ولكن لا يهتدي ولا يتعظ به إلا المتقين.
إن هذا النور العظيم لا تحصل به المنفعة إلا مع من يستجيب لله تعالى، أما المعرضون: ففي آذانهم وقر وهو عليهم عمى، وفي سورة فصلت بيان تفصيلي لموقف المعرضين عن القرآن، وفيها تعداد مراتبهم، وكيف يتعامل هؤلاء المعرضون عن القرآن، والسورة بأكملها لبيان هذا الأمر وخطورته فلتراجع.
والآيات الدالة على اختصاص المتقين بالهدى وانتفاعهم بالموعظة عديدة في القرآن منها قوله تعالى في سورة الجاثية:- (( هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) )وقوله تعالى في سورة النحل (( إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم ) )وقوله في حم فصلت (( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ) )وقوله تعالى في سورة الإسراء (( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا ) )وغير ذلك من الآيات والله الموفق.