فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 553

وفقدان النظر إلى الزمن وأحداثه يلغي شرط الوراثة في الأرض، مع إمكانية أن يكون الرجل صالحًا في نفسه، ففهم التاريخ يعني أن المرء يفهم على الله تعامله مع هذا الوجود، وهو يفقه صلة الحياة بما فيها مع شرع الله وأحكامه، وفهم المرء على الله في تعامله مع خلقه في هذا الوجود يعني أنه يعرف ربه فهو عالم به، وهذا منتهى الفقه على الله تعالى.

إنه ليس من نافلة الحديث أن يكون هناك تاريخ جرى في السماء بين أبينا آدم والشيطان، فيحدثنا القرآن به في مواطن عدة، لنحمل هذا التاريخ علمًا وفقهًا نستنير به في حياتنا.

وإنه ليس من أجل متعة القص يكون الحديث الطويل الرائع في القرآن عن الأمم السابقة مع أنبيائهم وما جرى معهم.

إن القرآن هو كتاب التاريخ لحوادث الإيمان في هذه الأرض، وهو كتاب الإنسان في تعامله مع هذا الإيمان، وإن الرابط بين القدر والشرع لا يكون إلا من خلال الزمن، فهو النقطة الجامعة في تفاعل شرع الله تعالى مع قدره، فإما أن تكون لحظة اللقاء سعادة للإنسان، وإما أن تكون فيها شقاوته.

في هذا التاريخ سعادة الإنسان، مادتها هو الإنسان، إيمانه وعمله وإرادته، هذه هي أسباب الأحداث في هذا الوجود. فحيث كانت صالحة كان الصلاح في الوجود، وحيث كانت فاسدة كان الفساد في الوجود.

هذه السنن مضطردة لا تتخلف إلا بوجود موانعها، ولكن هذه السنن الزمنية تفترق عن سنن التكوين الأخرى في المادة أن عنصر هذه السنن هو الإنسان، وهذا الإنسان ليس شيئًا ثابتًا، فإن فيه من المكونات ما لا توجد في أي مخلوق آخر، إذ أن المادة يمكن حصر معرفتنا بتأثرها باتجاه وحيد لا تخطؤه، لأنها لا إرادة لها، بخلاف هذا الإنسان الذي له الإرادة، إذ يمكن أن تنقلب كل التوقعات في لحظة التفاعل فتتغير النتيجة بما لا يتوقعه أحد، كما وقع أن آمن السحرة العتاة في لحظة نور إيماني فريد قلبت كل ميزان التوقعات، ولكن يبقى الإيمان هو أكبر عنصر مؤثر في وقائع الزمن والتاريخ وأحداثها، لا أعني الإيمان بمفهومه البدعي كشيء معرفي ولكن الإيمان بمفهومه الشرعي الواسع الذي يستوعب الإنسان كله من معارف وتصديقات ومشاعر وأعمال وإرادات وعبادات خفية وعلنية.

علم التاريخ كأي علم آخر، فيه كلام كثير ولكن تبقى عقدة الوعي التام فيه هو إدراك الإنسان لمعنى وجوده في الأرض، وغير ذلك هو هامش لهذه القضية التاريخية الكبرى، فإن لم يدرك الإنسان فيها إنسانيته التي تعني ضعفه وفقره الذاتيان أمام غنى وربوبية الله الذاتيتان فإن وعيه على الظواهر الأخرى وعي أعمى لا أهمية فيه سوى الوقوف على الأطراف، -يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون-.

ثم وعي آخر بعد وعي الإنسان لعبوديته أمام ربه، وهو وعي الإنسان لأثر رسالة الأنبياء في الوجود فإن النبوة هي أكبر ظاهرة تاريخية، فهي تعيش في صلب الوجود ونقطته المحركة لكل أحداث الكون، فحركة الوجود مركوزة بكلها على رسالة الأنبياء ومواعظهم وتعليماتهم وإرشاداتهم، وكل صراعات الإنسان التي تستحق الوعي والدراسة بما هو ظاهر وما هو خفي إنما هي صراع بين فريقين حول باب من أبواب هذه التعليمات والإرشادات، فالإنسان ليس دابة الأرض التي فقدت إرادة الإختيار، بل هو الإرادة والتي تتكون فيما تتكون فيه عنصر العلم، وانقلاب الإنسان إلى وحش تحركه شهوته من مطعم ومشرب وسفاد تجعل حركته خارج إطار الإنسان الذي يستحق الوعي والدراسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت