فهرس الكتاب
إن الرافضة قد حصل لهم شبه بالنصارى في هذا الباب إذ ورّثوا أنفسهم ذنب من تخلى عن الحسين عليه السلام يوم مقتله في كربلاء، فانظر ماذا يفعلون بأنفسهم من التعذيب، يتناقلونه من الآباء والأجداد إلى الأبناء، وكذلك حملوا كل مخالف لما هم عليه من الباطل اثم مقتل الحسين عليه السلام وأهل بيته فانظر كيف يكفرون مخالفيهم.
إن هذا المذاهب الكلية الباطلة في مفهوم الذنب والمعصية، وفي عدم فهم التوبة ومغفرة الله للذنوب هي ما تغرز الكثير من الأديان والمذاهب، وهناك صلة بين هذا الأمر وأمر مذاهب النسك الغنوصي كالبوذية والهندوسية، فإن تصورهما رجس الإنسان وخبثه يوجبان على أتباعهما من الأعمال ما تخرج الإنسان عن فطرته التي خلقه الله عليها.
ثم إن هذه الآية من صفات المتقين تلغي مفهوم الولاية كطبقة من طبقات الإنسانية في الإسلام، فإن من تأثر بالمذاهب الغنوصية الشركية من المسلمين تصور أن الولاية هي طبقة يحوزها المرء فيثبت عليها ولا يفارقها، كطبقة الأمراء والقضاة والمغنين، وهذا خطأ في الشرع، لأن الأولياء بشر يعتريهم ما يعتري البشر، يصيبون ويخطؤون، ويذنبون كما هم عباد الليل وصائمو النهار، ويجاهدون ويختصمون على الغنيمة، لكن لهم آخية تردعهم وتردهم إلى موطنهم من طاعة الله تعالى.
وهذه الآية تلغي مفهوم التربية البدعي الحادث الذي يريده مشايخ وبعض مفكري اليوم، وهو مرض حادث سرى في كثير من الجماعات والطوائف، وبه عطلوا الكثير من الشرع بانتظار أخذ إجازة التخرج من حضانة التربية المزعومة، ولذلك فإن من صفات المتقين أن يقع منهم ما يقع من الزلل والظلم والفاحشة لكنهم يستغفرون الله تعالى ولا يصرون على معصيتهم، لأن هذه هي صفات الفاسقين.
لقد تقدم أن ذكر المغفرة الربانية لعباده لا يستلزم مقتضاها وجوبًا، دلائل ذلك في القرآن كثيرة، ومنها ما ذكره الله تعالى في هذه الآيات فقال (( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ) )فهي بينته المغفرة هي كل الطاعات التي تستلزم ترك المعاصي إن فعلت هذه الطاعات، لأن من المعاصي أن تترك الطاعات الواجبة، ولذلك من المغفرة أن يطيع العباد ربهم فيما افترض عليهم.
وكذلك قوله في الآية التي بعدها: (( أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين ) )فهي على غرزها من اشتمال المغفرة على الأمرين؛ بترك الذنب أو بالإستغفار منه بعد الوقوع فيه. والله الهادي.
وبعد هذه الآيات يعود الحديث بعطف جديد على أمر الغزوة المباركة: (( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) ).
شأن التاريخ شأن سنة الله في الوجود، والناس يقولون إن آيات الله شرعية وكونية وأنا أقول وإن التاريخ من أعظم آيات الله في الوجود لمن فقه حكمته وراعاه بالتدبر والنظر، وعامة غفلة الناس في هذا الوجود إنما لغفلتهم عن الزمان والدهر، وإن العظماء في الحياة من الحواريين التابعين للأنبياء ومن أتباعهم بعد إنما تجمعهم خصلة واحدة، هي البصر في تعاقب الأيام والسنين، وما يجري فيهما من الأحداث والأمور، هؤلاء الكبار في هذه الحياة، كبار في الآخرة وكبار في الدنيا،