فهرس الكتاب
بعد ذلك ذكر الله أمر نعمه في غزوة بدر بما ذكرته في موضعه هناك، ومما يزاد هنا أن ذكر غزوة بدر كان جوابًا على ما وقع في نفوس الصحابة من القلة التي جعلتهم يهمون هذا الهم من الفشل والتراجع، فكان تذكيرًا لهم بأن الله نصركم ببدر وأنتم أذلة، والذلة هي القلة، وهذا شأن القلة في هذه الدنيا، فإن القليل مستضعف مهان في عيون الناس ولذلك فإن ترك المسلمين لأخوانهم المجاهدين قلة لا ينصرونهم ولا يفزعون معهم ولا يشدون أزرهم هو عين التخذيل لهم، وفعلهم هذا إذلال للمؤمنين ونصرة للكافرين لو كانوا يعلمون.
ثمّ مضت الآيات تهدي المؤمنين، وفيها من الهدي الرباني والتقويم والوعظ والإرشاد، وكذلك الأحكام، تتخلل خطاب الله تعالى لهذه الغزوة، فبعد ذكر بدر كان ذكر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على أعيان من قريش بما قتلوا من المسلمين في أحد بأن الأمر ليس له (( ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ) )وقد كان أن تاب الله على بعضهم كأبي سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وغيرهم، وفي هذا أدب للأمة في أمرين: الأول أن لا يتعجل المرء باللعنة على أحد حتى يرى خاتمته، وهذا في العموم ولكن لكل عموم خصوص، والأحاديث تبين جواز اللعن على أعيان وعلى عاملين بأعمال تستحق اللعن، الثاني: أنّ الداعي لربه قد يتخلف دعاؤه لمقاصد ربانية أجل من دعائه، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من هو مع الله سبحانه وتعالى إلا أن لعنه لم يقبل في هذا الموطن، وذلك لما ادّخر الله تعالى لهؤلاء الذين لعنهم أن يتوبوا ويصلح حالهم، ومنهم من مات شهيدًا كما هو معروف في كتب التاريخ، وهذا مانع قدري من إجابة الدعاء، وهو الكتابة الأزلية كما قدّر الله في الغيب، وهناك موانع شرعية تمنع إجابة الدعاء معروفة في كتب أهل العلم.
ثم ذكر الله أمر الربا ونهى المؤمنين عن أكله، ثم وعظ المؤمنين بمواعظ ربانية جليلة، وذكر استحقاق الصالحين للوعد الإلهي بالمغفرة والجنان التي عرضها السموات والأرض لما فيهم من أعمال محبوبة عند الله تعالى، وكان مما ذكر مما يناسب الغزوة أنه علم المؤمنين بقوله (( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) )فهذه صفة من صفات المتقين، وهي الإستغفار لما يقع منهم من الفواحش والظلم لأنفسهم من عموم المعاصي، فهم يستغفرون ربهم ولا يصرون على هذه المعاصي، وسيأتي بعد ما حصل من مغفرة الله تعالى للمؤمنين الذين فرّوا من المعركة لرحمة الله تعالى بهم وحلمه عليهم.
إن مغفرة الذنوب في هذا الدين مهما بلغت هي خاصية في الإسلام، دين جميع الأنبياء، وكل الأديان الباطلة ترهق أتباعها بتصورات الخطيئة الثابتة للإنسان والإنسانية، حتى إنهم ليجعلون الذنوب تتوارث من الآباء والأجداد للأبناء، والنصرانية المحرفة إنما تقوم على هذه العقيدة الظالمة والكاذبة على الله تعالى، فالإنسان في الإسلام هو الإنسان الذي خلقه الله تعالى، ينسى ويغفل ويعصي ولكنه لا ييأس بل ينشط للطاعة ولا ترهقه المعصية حتى ينقلب على أحد أمرين إما اليأس والقنوط السوداوين فيؤدي إلى القفار والمفاوز لما يحس من ثقل الذنب الذي يركبه، وإما إلى يأس وقنوط يأخذانه إلى استمراء المعصية والذهاب معها بعيدًا هي وغيرها من المعاصي.