فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 553

وهذا السكوت الرباني الدال على القبول يعلم المسلمين عادة والمجاهدين خاصة حكمة المراجعة للأمور، إذ أن قيام السلمين على الأمور بوجه صحيح قبل مباشرتها، أي بتشاور الأمير مع جنده، وببحث السبل الكفيلة لتحقيق الأحسن والأفضل، فإن استقر الرأي على قول فلا فتح بعد ذلك لأي مقالة لوم أو (لو) ، لأنها تفتح باب الشيطان، وما جرى من المنافقين بعد ذلك من لوم وتقريع للمؤمنين بعد الهزيمة بسبب الخروج هو منهج نفاقي سيأتي بيانه.

قوله تعالى: (( تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ) )

هو فعل النبي الرحيم، حيث يضع أصحابه في مواطن الرشا] الإلهي، والسعادة الدنيوية والآخروية، فمواطن الرضا الإلهي التي يضعها النبي لأمته -مقاعد للقتال-، وهي أماكن يبوؤون فيها، كأنها مكان استقرارهم وحياتهم.

(إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون) .

كشف إلهي لجنايا القلوب والنفوس، لكنه كشف رقيق رؤوف فيه ظلال المحبة والرضا والتولي، إذ يذكر الله تعالى أن بني حارثة وبني سلمة وهما من الأنصار، ومن خيار الأنصار همتا بالرجوع مع الراجعين. لكن ثبت الله القلوب فمكثتا.

لقد مدحهما الله في هذه الآية بعدة وجوه فهم:-"منكم"أي من المؤمنين الذي قال الله عنهم في الآية السابقة (تبوئ المؤمنين) . وقال الله عنهما -والله وليهما- وكفى بهذه منقبة إذ تكونا أولياء لله تعالى ويكون الله وليهما، ثم أرشدهم بخطابه للمؤمنين بقوله (( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) ).

وهذا الكشف الإلهي يبين حال المؤمنين وما يصيبهم عند النوازل، لأنهم أبناء هذه الدنيا، وأبناء هذه الأرض، حيث تمر عليهم خطرات الوجود الإنساني، وتمور في أنفسهم الأحاديث، منها ما هو مرضي وما هو غير مرضي، وهم مع ذلك أولياء لله، إن تابعوا أمر الله وصبروا وتوكلوا على الله في ثباتهم وجهادهم.

وفي هذا الكشف كذلك منّة إلهية أن الله هو راعي المؤمنين، وهو هاديهم حيث استحقوا هذه الرعاية وهذا التثبيت، أما أولئك الذين تخطر لهم خواطر الشر فيطيرون إليها، مع أن في نفوسهم كذلك وازع الخير يذكرهم بالثبات والتوكل لكنهم لا يلتفتون لهذا الوازع بل يتابعون خواطر الشر ودواعيه وأزّه، فهؤلاء ليسوا لله بأولياء بل هم المنافقون.

هذا هو الرعيل الأول من المؤمنون يبين الله لنا بشريتهم ومواراتهم الداخلية، فيكشف لنا الضعف الإنساني في لحظة الإبتلاء ويبين لنا كيف نعالجه بالتوكل عليه سبحانه وتعالى وأن نعرض عن داعي الشيطان.

ولن أخوض في موضوع الهم وأقوال العلماء فيه، وما هي درجته التي يؤاخذ بها الإنسان، وما هي التي لا يؤاخذ بها، ولكن حسبنا هذه الآية في هذا الموطن لتبيين وأقوال العلماء فيه، وما هي درجته التي يؤاخذ بها الإنسان، وما هي التي لا يؤاخذ بها، ولكن حسبنا هذه الآية في هذا الموطن لتبين أن الهم كان جماعيًا، لا هم فرد، مما يدل على أنهم تحدثوا به وخاطبوا أنفسهم بهذا الهم لكن قوّى بعضهم بعضًا، وقوّى الثابتون من كاد أن يضعف فحصل الثبات الذي يستوجب ولاية الله تعالى، وهكذا هي الحياة وهكذا هو الإنسان ولا تغيير لخلق الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت