فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 553

لقد صرخ فرعون من قبل:- (ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون) ولكن كيد الله تعالى بالمرصاد فصارت الأنهار تجري من فوقه.

وتبجح أهل مدين وتكبروا على نبيهم شعيب عليه السلام وقالوا له:- (ما نفقه كثيرًا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفًا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز) ولكن بصيحة واحدة (فأصبحوا في ديارهم جاثمين) .

وهكذا تساقطت الدول وذهبت قواها كأمس الذاهب، كأن لم تكن، لأن الله بما يعملون محيط، فلا ينفذون من علمه ولا من إرادته ولا من قدرته.

يقول تعالى: (( وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم ) )

هكذا تبدأ سيرة هذه الغزوة بعد الإرشاد المتقدم، تبدأ بذكر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، بذكر القائد وهو يسير أمام الجموع غاديًا، فلا يتخلف عنهم ولا يرغب بنفسه عن نفوسهم، يبدأ بذكره بخطاب مباشر له لعظم العلاقة بين الرب وبين عبده محمد صلى الله عليه وسلم، ولمدح الفعل الذي يقوم به هذا النبي.

"غدوت من أهلك"إذ خرجت من عندهم باكرًا لتعد المؤمنين إلى أماكنهم للقتال، والله عز وجل ههنا يمدح نبيه ويمدح فعله، ومدح جنده إذ سماهم المؤمنين، ولم يعرض قط إلى ما تم قبل ذلك من تنوع الإختيارات التي كانت قبل أحد، وكأنها لم تكن في هذا الجانب، إذ أنها جرت على طريق مرضي لله تعالى، فشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه رضوان الله عليهم، ثمّ نزع إلى الخروج، وتوكل على الله وغدا من أهله يبوئ المؤمنين ويعد لهم أماكن للقتال.

في سورة النساء جاء ذكر رباني على اختلاف الناس في الراجعين من المنافقين، إذ قال الله تعالى (( فمالكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلًا ) )إلى قوله تعالى (( وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانًا مبينًا ) )

ذلك أنه لما رجعت فرقة من الناس وهم المنافقون بعد المسير إلى أحد، اختلف المسلمون فيهم هل يقاتلونهم بسبب رجوعهم أم لا، فصار المسلمون إلى فئتين في الرأي، فكان الجواب الإلهي في تفصيل من يقاتلوا ومن لا يقاتلوا.

وخلاصة الحكم قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية: إنها طيبة (أي المدينة) تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة)، وهذا يعني أن المنافقين لن يطيقوا صبر البقاء في المدينة لما يعيش المؤمنون فيها من نار الجهاد، ولما يحيون فيها محنة الإسلام مع خصومه، فهؤلاء أهل دعة وخمول وكسل وبطالة، وأصحاب شهوات وأهواء فستنفيهم المدينة خارجها كما تنفي النار خبث الفضة، ولذلك جعل الله الفارق بين من يقاتل ومن لا يقاتل هي الهجرة والثبات في المدينة كما قال سبحانه (( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءً، فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليًا ولا نصيرًا ) ).

ثمّ فصّل الله سبحانه وتعالى قسميهم بما هو مبين في الآيتين التاليتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت