فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 553

والحق أن المجاهدين في زماننا لا يسلمون من لوم هؤلاء، لا بحسناتهم ولا بسيئاتهم، ولا يسلمون منهم سواء أصابتهم سيئة أو مستهم حسنة، لأنّ الغيظ يعمي ويصم، ومحاولة إرضاء الكافرين من قبل هذا الصنف سعار يدفعهم لألسنة حداد ضد المجاهدين.

قوله تعالى {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا إن الله بما يعملون محيط}

بهذا يجابه المجاهدون المؤمنون هذه العصبة، بالصبر والتقوى، بالصبر الذي يكون به الثبات ولزوم الطريق، ويكون به تحمل المشاق وعدم الإستسلام للمصائب والسيئات، والتقوى التي يستعين بها المجاهد من دعاء وحسن علاقة مع الله، وكذلك من عزل هؤلاء الأخباث، وعدم الإستماع إليهم ولا اتخاذهم أولياء، وكذلك بكشف أستارهم كما كشفها الله تعالى، وبالتقوى التي يتم بها إحسان العمل حتى لا تقع سيئة على المؤمنين فيفرحون بها، فإن دوام الحسنة التي تفرحكم تميتهم غيظًا، وتقتلهم همًا وغمًا، وتكشف للناس عوارهم وخستهم.

بالصبر يتم تحمل المشاق وبالتقوى يتم إحسان العمل وبهذا لا يضركم كيدهم شيئًا، وهذه وصفة قرآنية لكل الحياة، فإن كل أعمال الحياة، وكل الأعمال الإيمانية تحتاج لهذه الوصفة القرآنية -الصبر والتقوى-والصبر المحمود هو الصبر الواعي على حركة الحياة، وليس صبر البهائم على ما هي فيه من العذاب كما يريد البعض أن يفسره، فإن صبر البهائم هو صبر الجاهل الذي يتلقى العذاب دون وعي أو إدراك لسنن الحياة، ولذلك لابدّ من التقوى، والتقوى هي الإبتعاد عن الزلل، ولكل عمل زلل وخطأ، والتقوى في هذا العمل هو إصلاحه وحفظه من الفساد والهلكة، سواء كان الفساد أخروي أو دنيوي، ولذلك فصبر البهائم فاقد للتقوى إذ لا نية فيه صالحة ولا إحسان فيه لتغييره وتقويمه.

فالمؤمنون مطالبون بالصبر على الأذى من هؤلاء، ومأمورون بتقوى الله في التعامل معهم التعامل السنني الكافي لردع فسادهم، حينها يحصل الطب الصحيح فـ (لا يضركم كيدهم شيئًا) وذلك كحال الذي دفع المرض بالصبر عليه وعدم الجزع منه، وبمعالجته بما يذهبه من سنن الله في الوجود، سواء كانت سنن شرعية أو خلقية، إذ هي كلها من عند الله -ألا له الخلق والأمر-

قوله تعالى {إن الله بما يعملون محيط}

إن الكافر مهما ارتفعت واتسعت وعظمت قوته فإنه خاضع لأمر الله قدرًا، وما قوته التي يحصلها إلا بإذن الله تعالى، والكافر ينسى هذا كله ويصرخ دائمًا كالذين مضوا من قبله (( من أشد منّا قوة ) )ولا يعلمون أن الذي خلقهم هو أشد منهم قوة، فالله محيط بما يعمل الكافر علمًا، ومحيط به إرادة، ومحيط به قدرة، لا يخرج عن علم الله وإرادته وقدرته شيء من هذه الأرض أو السماوات، وكل ما في السماوات والأرض قد خضعت طوعًا لله تعالى بعد خضوعها قدرًا إلا الإنسان الجاحد، فإنه يكفر بالله ويستكبر ويتعالى كإمامه إبليس، ونهايته أنه مجرد تراب يرجع إلى الأرض التي خلق منها، وعلم المؤمن بأن قدرة الكافر وقوته ليست قائمة بذاتها بل هي بإذن الله وتحت سلطانه، ثم أمر الله تعالى بقتالهم مع علم الله تعالى بما هم فيه من يحيي النفوس ويقويها أن لا تيأس ولا تقنط من تبدل الحياة وتغير موازين القوى، فهذا شأن الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت