فهرس الكتاب
"قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور"
إنهم لن يموتوا بغيظهم إلا في الآخرة، أما في الدنيا ففي حالة واحدة أن يهتدي المؤمنون إلى ما كشف الله ما في صدورهم، أما إن كانت الأمة غثاءً من العدد، لا تعقل أين يسار بها، ولا تعرف من يقودها، ولا تدرك تيارات الحياة والفكر والمكر التي تسري تحتها فإن المسلمين هم من سيعض أصابع الندم في نهاية كل مرحلة من مراحل الحياة، وبعد كل جولة من جولات الصراع، وهذا ما يقع في هذه الأمة من أكثر من قرن من الزمان، والحال هو الحال، تسير هذه الأمة على منوال واحد من خداع الزنادقة والكفرة، وكأن الحديث الذي يقول:"لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين"ليس لنا، أو أننا سمعناه وحفظناه على معنى آخر وذلك بإضافة كلمة (( فقط ) )في آخره كما قال أحد العقلاء، فيكون الحديث إذًا عن هذه الأمة اليوم:-"لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين فقط"أي لابدّ من أن يلدغ منه كثيرًا حتى تتحقق فيه صفة الإيمان، لأن المؤمن سليم السرية مع الناس في معركة الوجود بينه وبين الكفار والزنادقة كما يظنون اليوم.
هذه حياة مليئة بالذئاب والثعالب والحيات، وهم الأكثر في الوجود، والمسلم يعيش في جزيرة في هذا العالم، هو الأقل، لكنه بهداية القرآن الخاصة يستطيع أن يكون عزيزًا مهابًا قائدًا للعالم، أما إن كان غثاءً فإنه حينئذ سيكون مجرد قصعة مليئة بالأطايب لهذه الوحوش.
إن الأمة التي تريد العزة لابدّ لها من الجهاد، وإن من يؤمن بالجهاد يجب أن يعد له عدته اللازمة له، وإن من يريد لهذا الجهاد أن ينتصر فلابدّ أن يكون عبقريًا لا يفرى فريه. بغير هذا إنما هي تصورات ذاتية، وكلمات لا توقف الريح، وشعارات تضحك منها السُّنن.
{إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها، وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا، إن الله بما يعملون محيط}
هذه خصلة أخرى من خصال هؤلاء الأخباث الذين يحذر الله المؤمنين منهم، خصلة قلبية خفية، هي من نوع (( ودوا ما عنتم ) )وعلى غرزها من المعنى في الشر.
إن الله تعالى يقول للمؤمنين: إنكم أبناء هذه الدنيا ستصيبكم الحسنات والسيئات، وسيأتيكم ما يفرحكم وسيأتيكم ما يسيئكم، فبدل أن يكونوا معكم في السراء والضراء، وفي الحسنة والسيئة، يعزلوكم في مشاعرهم ومواقفهم، فحين تأتيكم الحسنة يساؤوا بها، وحين تأتيكم السيئة يفرحوا بها، فهم وإن كانوا معكم بأبدانهم لكن مشاعرهم ضدكم وخلاف ما تحبون، وهو تطبيق قلبي لقضية عدم الحب (( ولا يحبونكم ) )فمقتضى هذا البعض أن لا يحبون لكم الخير ويتمنون لكم الشر.
وممن تصيبه هذه الآية وهو لا يشعر أولئك الذين يخالفون المجاهدين بمناجهم وطرقهم من تلك الطرق الكثيرة التي أتتهم من أفكارهم وأفكار غيرهم، فبعض هؤلاء لا يتمنون الخير للمجاهدين حتى لا يثبت خطأ مناهجهم، فإن وقع لأهل الجهاد المؤمنين سيئة أو مصيبة فرحوا بها، وصرخوا بها، لأنها على زعمهم تثبت ماهم عليه من الأقوال والأفكار، فمن كان على هذه الصفة فهو كما قال تعالى (( من دونكم ) )ولا كرامة.