فهرس الكتاب
لقد كشفت الآيات أن الألم قدر إنساني منذ مولده إلى يوم وفاته لقوله تعالى في سورة البلد: (( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) )وسورة البلد هي خلاصة سيرة الإنسان من مولده إلى مماته، وفيها حلّ لكثير من أسئلته وما يحيره، فالله يقول فيها للإنسان أن المشقة هي قدره الذي لا ينفك عنه، والإيمان والتوحيد ومتابعة الأوامر النبوية لا يرفع الألم والمشقة كما قال تعالى على لسان بني إسرائيل (( أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ) )وكما قال تعالى لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:- (( إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ) )فلا خروج للإنسان (نوع الإنسان) من قدره الذي قدره الله له، وهذه المعرفة القرآنية الهادية تريح المتعبين والمعذبين في الأرض من المؤمنين، لأن هذه المعرفة تحرق ظنون الشيطان في النفس المؤمنة أن الإيمان له خصوصية الألم والمشقة، والنفس تكره الألم، مما يرتد هذا على معاني غير محبوبة نحو هذا الإيمان، فالقرآن يقول: لا أحد خالٍ من الألم، ولا أحد خال من المشقة فهناك ألم إنساني عام وألم إنساني خاص، أما الألم العام فهو ألم الضعف الإنساني، وذلك لما يصيبه من الأمراض والهم والقبض، وهناك ألم إنساني خاص وهو ما يتعلق بقدر الإختلاف البشري فيما بينهم بين مُسَخّر ومُسَخِّر كما قال تعالى في سورة الأنعام (( هو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ) )وكما قال تعالى في سورة الزخرف (( أهم يقسمون رحمة ربك، نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًا ورحمت ربك خير مما يجمعون ) )هذان الموضعان في القرآن من سورة الأنعام وسورة الزخرف وقضية الألم في الآيات التي ذكرت تحتاج إلى مؤلف خاص، تبصيرًا للمسلمين عمومًا وللمجاهدين خصوصًا لما فيها معاني تربوية وعقلية ونفسية عظيمة وما تكلمته هنا عن قضية الألم هو مجرد إلتفات سريع لما يناسب موضوع الجهاد وحصول البلاء فيه، ومن هذا النوع هو الصراع الحادث بين المؤمنين والكافرين لما يقع فيه من قدر التداول بينهم، وهو ما تقوله هذه الآية وآية النساء (( إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ) )فحين يعتقد المرء هذا ويبصره بصر اليقين والإطمئنان لهدأ نفسه، لأن مما يتعب النفوس في آلامها أن ترى إنفرادها بهذا الألم، ولذلك شرع الله التعزية بين المؤمنين، فإن المرء حين يرى الإشتراك في الألم تهون عليه بعض آلامه، هذا في الدنيا بخلاف الآخرة لأن الله يقول عن ألم الآخرة وعذاب النار: (( ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ) )ولكن في الدنيا الأمر على خلاف ذلك، فهذه الهداية القرآنية التي تكشف عموم الألم واستغراق المشقة لجميع البشرية تخفف عن المسلم آلامه، فإن قتل له حبيب أو سجن أو فقد ما يحب من جسمه أو ماله فلا يقعن في نفسه إختصاصه بالألم بل لكل أحد من البشر آلامه التي تشغله وتملأ وقته.
حين تحصل هذه الهداية المعرفية اليقينية في نفس الإنسان المسلم يكون عقبها تعليمه واجتباؤه إلى مرتبة خاصة دون الخلق هي آثار ونتائج هذا الألم والمشقة في حياته الدنيوية والآخروية، فبعد التشخيص يتم المعالجة.
لقد كشف الله المؤمنين بأنهم (( وترجون مالا يرجون ) )، وشفاهم بقول موسى عليه السلام لهم (( قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ) )، وشفاهم في هذه الآيات من سورة آل عمران بما سيأتي من الفضل والإكرام والأجر.
وعرّض بذكر الرحمة في سورة الزخرف، وبالمغفرة في سورة الأنعام كل ذلك ليعرف المهتدي بالقرآن أن علاج المؤمن الوحيد إنما يكون بحسن علاقته مع الله وبرجاء الدار الآخرة.