فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 553

هكذا تقول الآية:"إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله"ومع ذلك لم ييأسوا ولم يغيروا مقاصدهم في إبادتكم وإزالتكم، بل نشطوا مرة أخرى وها هم قد أتوا لحربكم، فهل عجزتم أن تكونوا مثلهم حين أصابكم القرح أن تعيدوا الكرة مرة أخرى لقتالهم.

هذا مراد أول، وهو من خير ما يبصره المسلم في عدوه الشيطان وجنده أنهم لن يألوا جهدًا في حربكم وتغيير دينكم، فأنتم أولى بالثبات والكرة بعد الكرة.

وأما الآخر: فهو تسلية الله لهم، ذلك أن ما أصابكم من الجراح والقتل قد أصاب القوم من قبل في بدر، فليس لهم فضل النصر الدائم الذي يحزنكم، وإن عين ما أصابكم قد أصابهم مثله ولا زيادة، ولو تأملت لرأيت عجبًا كيف سمى الله موقعة بدر في ثلاثة مواطن ثلاث تسميات، ووصفها بثلاث صفات، ففي الأنفال قال عنها:- )) ويقطع دابر الكافرين (( ، وفي آل عمران فيما تقدم من الآيات قال (( ليقطع طرفًا من الذين كفروا ) )وهنا في آل عمران قال: (( مسّ القوم قرح مثله ) ).

فهي حادثة واحدة، ولكن كان شأنها مع الكافرين على ثلاث مراتب، فهي بالنسبة لتاريخ الإسلام والإيمان قاعدة لما بعدها في قطع دابر الكافرين، وهي في وصفها الخاص بها قطعت طرفًا من الكافرين، وهي في مقارنتها مع ما يقع من حوادث الزمان-مسّ القوم قرح مثله-، وهكذا يتنوع الخطاب كتنوع الدواء الواحد قوة وعددًا ليلائم الحال المناسب له، وذلك كتنوع القصة في القرآن في مواطن عدة تناسب الحال الذي يراد منها.

{وتلك الأيام نداولها بين الناس}

فالأيام كعملة الدرهم والدينار، يتداولونها بينهم، فيوم يكون لقوم ويوم يكون لآخرين، ولم يذكر ربنا لمن تكون العاقبة والخاتمة هنا، لأن المراد ذكر السنة البشرية العامة التي تقع للعموم من الناس، وهذا فيه تثبيت للمؤمنين أن يبقوا في سوق التداول وإلا خرجوا من صفقات التداول لهذه الأيام، وكما ذكرنا سابقًا فإنما هي جراح وليس قطعًا كاملًا إلا باعتبار العاقبة، ولكن هذه الجراح في الوقعة قد تكون القاضية إن فقد المؤمنون إيمانهم أو مشاعر عزة الإيمان أو خرجوا من المعركة هروبًا من سوق الجهاد.

ههنا تأتي قضية ضعف اللحظة الراهنة، وعدم استقرارها، فهي أضعف اللحظات، وهي فلقة لأنها ممتحنة بالتحدي الآتي إليها مع اليوم التالي واللحظة القادمة، فليس المنتصر بمأمون من ألم المحافظة على نصره، كما أن المصاب ممتحن بتغيير واقعه وتحويله، ولذلك قالوا: إن النّصر مع الصبر، والله يقول: والعاقبة للمتقين، وكما أن الهزيمة لها ضريبتها، فكذلك للنصر ضريبته، وهذا ما يجعل سنة التداول واجبة الحدوث لكل التجمعات مهما بلغت قوتها.

هذه السنة العظيمة لا تعطي أبدًا مفهوم الإنتظار، بمعنى أن يقف الخصم منتظرًا ضعف خصمه، لأن المجتمعات والأمم التي تمارس الإنتظار هي أمة خارج مفهوم الأيام التي تستحق وراثة الآخرين، إذ الوراثة للأيام هي صراع وقتال ومغالبة، ومن دلائل هذا هذه الآية فإنها ذكرت في سياق الحرب بين المسلمين وأعدائهم، في سورة النساء حعل الله هذا الصنف من المتفرجين منافقين ولا يحق لهم النصر ولا التأييد، اقرأ واقع هذا الصنف من الناس في قوله تعالى (( الذين يتربصون بكم-

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت