فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 553

إلى قوله:- إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراُ )) تعلم حكم الله في هؤلاء الذين يجلسون ليشاهدوا وينتظروا.

إن إدراك المؤمن لهذه السنة الربانية تقيه من اليأس والقنوط، وتمنعه من التغيير والتبديل، إذ مهما بلغت الأمم في قوتها فإن غدها ليس لها، فلا يأس لخصمها ولا غرر لها، ورضي الله عن عمر الفاروق حين بكى وهو يرى غنائم الفتوح تصب بين يديه في المسجد، فإن الفاروق لم يكن يقول لشيء أظنه كذا إلا كان كما قال.

هذ الحكمة التاريخية التي تتجاوز الأيام بل والسنين هي التي تصنع المسلم الذي يتماهى مع التاريخ، وليس المسلم الذري الذي تبتلعه أيامه القصيرة، تحيط به حين يضع خططه ويلقي كلماته ويمارس أفعاله، فمثل هؤلاء ذرات لا يكتبون التاريخ، ولا التاريخ يقف معهم، ولا يعتني بهم، وهي تدل على عدم وجود فراغ في الوجود، إذ أن الأمم لا تسقط إلا وقد وجد بدائل لها ترث مكانها الذي أفرغته، فلا سقوط من غير وارث، ولذلك كان الجهاد، لأنه هو، وهو فقط، الذي يؤهل الأمة في زمن ضعفها أن تتأهل لوراثة الأمم التي تآكلت من الداخل ومن الخارج، فالجهاد ليس ضرورة تاريخية زمن القوة فقط، بل هو أشد ضرورة في زمن الضعف، لأنه من خلاله وفي ميدانه تبني الأمة في داخلها مقومات الوراثة.

{وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين} .

هذه محنة الإيمان، وهي تحقيق لمقصد الوجود كله، لأن الله خلقه من أجل عبادته (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) )فما يقع للمؤمن من نصر أو هزيمة، أو محنة في نعمة أو محنة في بلاء إنما يقع ما يقع ليعلم الله المؤمنين من غيرهم، فعماد قوام هذا الدين هو عبودية المرء لربه وذكراه الدار الآخرة، وبدون هذا العماد فإن الدين مجرد هيكل من الصخر لا روح له ولا حياة، وهذه القضية تعطي الخصوصية والتفرد للمرء المسلم في أهدافه ومراميه، وتجعل لصبغته دلالة خاصة هي دلالة الربانية، فهذا الدين ليس سوقًا للشهوات يأتي إليه الآتون وقت إزدهاره وكثرة البضاعة فيه، فإذا قلت أو ذهبت راحوا لغيره، بل هو الدين الحق الذي يملأ المؤمن به في كل لحظات الحياة على إختلاف ظروفها وأحوالها.

إن الإيمان والإبتلاء قرينان، وبينهما تلازم واضطراد، فبمقدار الإيمان يزداد البلاء، وهو بلاء خاص غير ما يعيشه الإنسان من آلام تلازم إنسانيته لضعفه وفقره الذاتيين.

فهذه الأيام يديلها ربنا بين خلقه من أجل أن تظهر حقائق الصدور، وتمتحن خفاياها، فيظهر المؤمن من غيره، ولذلك كانت المحن فرصة قدرية وهدية ربانية للمؤمن حتى يثبت صدق إيمانه، وحسن يقينه بالله تعالى، فالذين يبحثون عن وسائل يزعمون شرعيتها - تلغي هذا التلازم بين إيمانهم والإبتلاء هم مخطؤون لأن هذا لا وجود له في سنة الله تعالى، فهم إما أن يتخلوا عن الإيمان أو بعضه، وإما أن يسحبوا أنفسهم من الحياة ولججها.

هكذا يديل الله الأيام بين الناس حتى يعلم الله المؤمنين الصادقين من غيرهم، فلو أن هذا الدين لا تعتريه ما يقع للبشرية من نصر وهزيمة لامتلأ من أصحاب الشهوات الذين يفدونه ويبدلونه ولا يأبهون، لكن حين يدخل الناس في دين الله تعالى ويكنز أهله، فحين تأتيهم المحن والإبتلاء وتكون دائرة من دوائر الزمان عليهم حينها يعلم الصادق من الكاذب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت