فهرس الكتاب
إن تغير الريح على المؤمنين لا يعني أنهم قد أخطأوا الطريق كما يزعم البعض، بل هذه الآية ترفع هذا التوهم الذي يتاجر به الكثير حين يكون للكافرين نصيب على المؤمنين؛ إذ يبدأ جلد المجاهدين، وتعييرهم، وقذفهم بالتهم الباطلة كما فعل المنافقون في هذه الغزوة كما سيأتي تفصيله، فالله تعالى يقول لهم: هذه سنتي وهي حاكمة عليكم، لأن كل ابن آدم خطاء.
{ويتخذ منكم شهداء}
يالله كم يجرد هذا الدين أتباعه من شهواتهم الدنيوية، ويالله ما أعظم مقاصده الأخروية، وعلى الذين يكتبون عن المقاصد الشرعية أن يتقوا الله فيما يكتبون، ذلك لأنهم يجردون هذا الدين من ربانيته، ويجردون أهله من ذكرى الدار الآخرة.
لقد مدح الله المصطفين من عباده بقوله (( إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ) )فهذا هو المقصد الأعظم والأجل، ولهذا المقصد يبذل أهله أرواحهم ودماءهم وجهودهم.
أين هؤلاء الذين يكتبون عن المقاصد وهم لا يعيرون إرضاء الله أي إلتفاتة في أبحاثهم وأصولهم الباطلة؟!
هكذا جعل الله من مقاصده في تداول الأيام أن يتخذ الشهداء عنده، وفقه السلف لمثل هذه الآيات جعلهم يلقون أنفسهم في مواطن الشهادة، ويطلبونها جهدهم، ولا يعدون هذا من إهلاك النفس، ولا من التغرير بها، بل يرون هذا من أعظم القربات عند الله، ولسنا بحاجة أن نذكر طلبة العلم المسألة الأصولية في دلالة أفعال الله تعالى على الأحكام الشرعية، فلتراجع في مظانها، وفقه الأوائل لهذا الأمر جعلهم يريدون من أنفسهم ما يريده الله منها.
لقد وقع القتل في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لسبب منهم، لكن الله يجري هذه الأسباب لما يريده من معاني، منها ما هو للمؤمنين، ومنها ما هو للكافرين، ولما كان الموضع موضع تسلية للمصاب كان الحديث عن مقاصد الرب في ما يصيب المؤمنين.
{ويتخذ منكم شهداء}
أي ثناء ومدح أجل من هذا الثناء والمدح؟! فالله يتخذ"منكم"، لأنكم العدول الثقات الذين تصلحون لهذه المرتبة العظيمة، فأنتم تشهدون على أنفسكم أنكم بذلتم أرواحكم لدينه، وأنتم تشهدون أن الله قد أعذر للكافرين عذرًا بلغ ماد ودفتاه.
{ويتخذ منكم شهداء}
هي شهادة من الله تعالى أن النصر ليس بأولى عند الله من القرح، فإذا كان في النصر تحقيق لما تحبون كما قال تعالى في سورة الصف- وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب-، فإن القرح فيه الكثير مما يحقق ما يحبه الله ويرضاه.
{ويتحذ منكم شهداء} حتى لو كانت المصيبة من فعل أيديكم ولسبب خطأ من بعضكم، فإن هذا لا يلغي مرتبة الشهادة التي يريدها الله لكم.