فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 553

شهادة ربانية تقرع أولئك الذين يرون المجاهدين أنهم القوا بأيديهم إلى التهلكة، أو أنهم لم يحسنوا قراءة الأحداث، أو الذين يفسرون موت الأحبة فجيعة توجب إيقاف الجهاد وعملياته، فهي شهادة من الله لعلها تردعهم وتوقظهم من حساباتهم التي لا تعرف نفس الله تعالى، ولا مقاصده في عباده في الأرض، إن هؤلاء الشهداء هم المرضيون عند الله تعالى ليقفوا يوم القيامة بين يديه، فيقيموا ما رأوا وما أبصروا من عناد هؤلاء المشركين وظلمهم وجحودهم.

إن المجاهدين، والمجاهدين فقط، هم الذين يدركون حكمة الله تعالى وعدله في خلقه، وخاصة في الكافرين، فقد رأينا كيف يعذر بعض أصحاب اللحى والعمائم وأدعياء الفكر الكافرين في كفرهم، وكيف يبررون لهم بعض إجرامهم أو إعراضهم عن دين الله تعالى، حيث يزعمون أن أهل الإسلام يسيؤون تقديم صورة الإسلام لهم مما ينفرهم عن دين الله تعالى، ولست هنا واقفًا للرد على هذه الجملة القبيحة الجاهلة التي لا عماد لها من عقل أو تاريخ أو دليل معتبر، لكن كيف يستحق هؤلاء مقام الشهادة عند الله تعالى على الكافرين يوم القيامة ليكون مستقرهم في جهنم؟ بل ربما رأينا من بعضهم من يستنكر هذا المستقر لهم يوم القيامة، إتهامًا لكلمة الحق التي نطق بها كتابه الكريم، لكن المجاهدين والذين يسيرون في ركابهم هم فقط من يدرك حكمة الله تعالى وعدله في هؤلاء، لما يرون من قساوة قلوب الكافرين، ولما يشاهدون من عداوتهم التي لا يحدها حد، ولما يلمسون من إجرامهم وولوغهم في عرض المسلمين ودمائهم، فهم يرون ويلمسون ويتحققون من كل هذا، فيعلمون اليقين صدق قول تعالى فيهم:-) (ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) ) ويعلمون صدق قول الله تعالى (( ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) )فالله حكيم في هؤلاء، وهم يوقنون أشد اليقين أن عدل الله فيهم هو الحق الذي لا حق سواه حين يعلمون أن هذا الجنس من الخلق لا يصلح لهم إلا مستقرًا وحيدًا هو جهنم، فهي أولى بهم من أي مستقر أو مصير، لانهم لا خير فيهم البتة.

إن الذين لم يعانوا الجهاد ولا بلاءه لا يعرفون الكافرين على حقيقتهم، لأنهم يجتمعون معهم في منتصف الطريق، فيرضونهم ببعض ما يحبون من الشهوات، فيبتسم كل فريق للآخر، ويقومون وقد رضي كل فريق بما عند الآخر، ولكن المجاهدين الذين يؤمنون بالكتاب كله، ولا يساومون على حقوق الله ولا على حقوق الأمة المسروقة المهانة المضاعة هؤلاء يعرفون حقيقة الكافرين لأنهم يعيشونها ويحسونها فيحمدون الله على نعمة الجهاد والبلاء في سبيل الله.

من أجل هذا كان هؤلاء المجاهدون هم الذين يستحقون مقام الشهادة يوم القيامة بين يدي الله تعالى على هذا الصنف العجيب من البشر والذي لا يعلم حقيقته إلا الله، وهم الذين تقدم ببعض وصفهم بقوله تعالى - وما تخفي صدورهم أكبر- فإن كل ما يظهرونه من قتل فينا، ومن ولوغ في أعراضنا، ومن تعذيب أبشارنا، ومن سب تفرزه ألسنتهم، إلا أن الله الحق المبين يقول: وما تخفي صدورهم أكبر.

{ويتخذ منكم شهداء}

إن الوصول لهذه المرتبة الربانية الجليلة لا يكون بالتخاذل، ولا بالهروب من مواجهة المعارك بكل أشكالها الإنسانية، بل لا تحصل هذه المرتبة إلا بخوض الغمرات التي يحبها الله تعالى لعباده، وذلك حين تهون نفس المرء عليه حتى لهي أهون عليه من كأس ماء بين يديه، حينها يستحق المرء أن يكون شاهدًا عند قاضي السماء في يوم القيامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت