فهرس الكتاب
أن العاقبة للمتقين، وأن هذه الدولة الذاهبة سيأتي غيرها، فلا تجزعوا ولا تضطربوا، فإن مع العسر يسرًا، وإن النصر مع الصبر، وتبدأ حكايات العبر تتوالى على لسانه لأبنائه حتى تشتد نفوسهم فيواصلون الطريق وتتعاقب الأجيال وهي تردد كلمات الله: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} ، ويردد الحكماء منهم: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا} ، وأمثالها من حكم القرآن الحكيم، السارية في نفوس هذه الأمة وخاصة في قلوب أبنائها المجاهدين إلى يوم الدين.
إن المحن والمصائب والقروح لا تخرج مرضى هيابين إلا بسبب التربية خارج المناهج القرآنية، حين يزعم الحكماء -زعموا- أن الجهاد هو طريق الشباب المتحمسين، ولكن حين تذهب فورته يكون العقل داعيًا إلى الدعة والسلامة.
إن هؤلاء لا يهتدون بالقرآن، ولا يعيشون معانيه حق العيش، ولم يرتقوا إلى هديه الذي يرشد إليه، بل هم ينساقون وراء مشاعر خاصة تتعلق برؤى إنسانية تتبدل بتبدل الزمان والأشخاص والأعمار، ودين الله ليس كذلك، وصلى الله على الحبيب المصطفى، وهو على فراش موته ويقول: أنفذوا بعث أسامة.
هكذا التمحيص يسقط الضعيف إن تهاون، ويقويه إن ثبت، ويرقي القوي في قواه، وتصبح حكمة الزمان ليست دائرة موضعية لا ينتفع بها اللاحقون، بل تصبح كل تجربة هي إرثًا للصغير يراها في همسات آبائه الذين غذوه بالعلم والتجربة والحكمة، وتتواصل حكايا الليل وهي تحمل قولًا واحدًا: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين} .
{ويمحق الكافرين}
هذا قول الله في المحن، هذه المحن التي تصيب المؤمنين بالقروح والألم والأذى، فتمحصهم فهي كذلك تمحق الكافرين.
ويبرز السؤال:- هذا يومهم الذي لهم، وهذا نصيبهم فينا، فكيف يكون في حقيقته ودلالته ونتائجه- محقًا للكافرين؟.
هذا قول الله وليس بالهزل، بل هو الفصل في ما يختلف الناس فيه، وهو الهدي والنور الذي يعلج العقول في موازينها حين تقيّم الأحداث والأشياء، ويبني النفوس لترتقي إلى ما يحب الله لها من الدرجات لقيادة التاريخ والعالم.
إن المصائب والقروح لا تمحق المؤمنين، بل تمحصهم، ولكنها تمحق الكافرين، فحين تكون الوقعة بكل صورتها قد انتقلت من جانب إلى جانب، فمثل الذي وقع بالكافرين قد وقع بالمؤمنين مثله (( إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله ) )ولكن هي للمؤمنين تمحيص وللكافرين محق وعذاب، هكذا يصنع القرآن أهله، وهكذا يربي الله أحبابه وعباده المجاهدين، وهكذا هو الزمان يشهد لهذا القول ويؤيده ويقسم أغلظ الإيمان إنه لقول فصل وما هو بالهزل، فماذا بقي للقاعدين من أعذار وحجج حتى يستبدلوا الدنيا وحبها بالجهاد في سبيل الله. الباء في فصيح اللسان تدخل على المستغنى عنه كما قال تعالى: {يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير}
لكن كيف يكون إنتصار الكافرين في موقعة هي محقٌ من الله لهم؟