فهرس الكتاب
تعالوا معي إلى التاريخ، وراجعوا صفحاته الكبرى، وتبصروا إلى وقائع عدة حصل فيها أن إنهارت بيضة الإسلام الكبرى، وضرب الإسلام ضربات كبرى لا قلمات صغيرة، وإن كانت القلمات الصغرى كذلك فيها هذه الدلالة الربانية الجميلة العظيمة، لكن تأملوا الحروب الصليبية، ثم تأملوا معها غزو التتار، وانظروا إلى رقعة الإسلام بعد هذه الوقائع التاريخية الكبرى، هل زادت أم تقصت؟ هل تقدم المسلمون إلى أراضي أم تراجعوا؟
لقد خطا الإسلام بغزو الصليبيين داخليًا خطوات محمودة رائعة منها القضاء على الدولة العبيدية في مصر، ثم لما انتهى أمر الصليبيين كليًا صارت بلاد الشام كلها بلاد إسلام بشعوبها إلا بقايا من بقع قليلة لا أهمية لها، ثم بعد تحولات قليلة رمى الإسلام بنظره إلى مواقع جديدة في شمال بلاد الشام وتجاوز ذلك حتى تحولت بلاد البوسنة والهرسك إلى الإسلام، وهكذا كانت العاقبة للمسلمين.
وأما التتار فقد دخلوا في دين الله تعالى، وهضمتهم الأمة لأنها بقيت تستشعر علو الإيمان حتى وقت هزيمتها، ولمن أراد تفصيل هذه القضايا العامة فالتاريخ أمامه يمكن له أن يطلع فيه على دقائق هذه القضية الرائعة في خصوصية الإسلام في التقدم وقت المحن.
إن الأمم بحاجة للمحن، وبحاجة للصدمات، وإن الله تعالى ليمن على الأحباب من عباده بوجود الأعداء كما قال تعالى في سورة الفرقان (( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من المجرمين وكفى بربك هاديًا ونصيرًا ) )فانظر هذه الفاصلة الرحيمة التي أعقبت هذا القدر اللازم للنبوة والأنبياء، وهي تعني أن وجود هؤلاء الأعداء يحقق الهداية والنصر الربانيين لهؤلاء الأنبياء، كذلك وجود القروح والآلام والأذى للمؤمنين هو تحقيق بأن الله سيمحق الكافرين بأيدي الصابرين المثابرين على طريق الجهاد رغم الصعاب والمحن.
إن هذه القضية الربانية لأهميتها قد شرحتها في كتاب سابق، لم يقدر الله تعالى له الخروج، وقد يكون قد ذهب ضحية لإجرام قوم لا يحبون اسم الجهاد ولا أهله ولا محبيه، فإن كان في قدر الله أن يخرج فهذا ما أحب، وإن كان قد ذهب ولا عودة فليكن هذا الموطن فيه كفاية لبيان هذه القضية، مع أني لا أستطيع أن أكتب مسألة واحدة مرتين ولكن سأحاول وباختصار عما كتبته هناك والله الموفق.
هذه الأمة تملك عاملين قدريين اثنين، بهما يحصل الغزو المتعاقب من الكافرين ضدها، ومهما حاول بعض أهل الفكر والنظر من منع هذه الظاهرة القدرية المتعاقبة فلن يستطيعوا ولن ينجحوا، لأن محاولاتهم أشبه بتحجير البخار الغازي وهو ضرب من ضروب كيمياء الفكر الساذج عند القدماء في تحويل المعادن إلى ذهب، هذان العاملان أحدهما مبعثه الإغراء الذي يعتري الأمة عند توقفها عن مسيرة الجهاد نحو الآخر، فتنشأ عوامل ظاهرية عدة كلها تدعو إلى تزيين هذه الأمة في نفوس خصومها ليقبلوا إليها بالغزو والإستباحة والعدوان، وثانيهما مبعثه إستعلاء الضعيف أمام القوي، وهي حالة حاولت أن أجد لها إسمًا، أو أستعير لهذا الاسم فلم أقدر، ووصفها أن هذه الأمة ممضخة بالقرآن والتاريخ، وكلاهما يبعثان فيها شعور الأفضلية والعزة، وهو شعور لا يقبله الخصم منك دومًا، لكن يكون عامل سعار كلبي عنده حين تكون أنت الأضعف والأقل شأنًا، مما يجعله يأتي إليك وهو ناقم حاقد أشد النقمة والحقد.