فهرس الكتاب
عامل الإغراء؛ مبعثه ما تقع فيه هذه الأمة من ضعف وتفتت، وقد يزيد هذا الإغراء هو وجودك وأنت الضعيف فوق منابع خير ومال ودنيا بالنسبة إليه، فحينها يأتي بسلاحه وجنوده وقوته، مدفوعًا برؤية جلية واضحة أن المعركة محسومة له بلا شك، فيشق بجنوده وسلوكه واقع هذه الأمة كما تشق السكين قطعة الجبن الرخوة، فيحصل له الزهر أن المعركة قد انتهت وحصل مقصوده في إفناء هذه الأمة وهذا الخصم التاريخي العنيد.
هذا العامل إن انفرد يجعل الغرب أشبه برحلة تاجر يحقق ربحًا لا يعنيه الدم والثأر والإنتقام، ولكن العامل الثاني وهو علم هذا الخصم القوي والمتبجح أن هذا الضعيف الحقير المهان يستبطن في داخله مشاعر عزة خاصة تملؤه، هذه المشاعر تجعله على إحساس دائم أنه خير الناس، وأعلم الناس، وأنه إن فقد دنياه فإن الآخرة له، وأن ما عنده من كتب خاصة فيها الكفاية لتجعله أسعد الناس وأفضلهم في الوجود، وهو يحمل إرثًا تاريحيًا أن آباءه خير الآباء، وأن أجداده خير الأجداد، وأن تاريخيه هو تاريخ البشرية الوحيد، ومع هذا التاريخ هو يحمل رؤية أن المستقبل له كذلك، وأن الواقع هو لحظة عابرة كسحابة صيف سيتجاوزها وتتجاوزه.
علم هذا الخصم بوجود هذه النفسية في هذه الأمة مع ما يحمل من إحتقار لها يجعل رحلته إليها رحلة دم وقتل وتخريب وثأر.
فيأتي وبالفعل تشق سكينه في اللحظات الأولى هذه الأمة قطعة الزبدة الرخوة، ولكن بمجرد أن يظن أن الرحلة قد انتهت يبدأ الكابوس الحقيقي في تحقيق قوله تعالى (( ويمحق الكافرين ) ).
إن تجارب كل الغزاة مع هذه الأمة كانت على هذه الصورة بلا استثناء، في القديم والحدث وفي المستقبل، إذ كانت هزائم هذه الأمة أمام أعدائها سببًا لتحقيق قوله تعالى (( وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ) )فمن عمق القرح والأذى والألم ينتفض المهديون المجاهدون المؤمنون من هذه الأمة ليحققوا من هذا الضعف قدر الله تعالى، وحكمة الله تعالى، ومكر الله تعالى بأعدائه، حيث تسري هذه الأيدي المهدية تقطيعًا لهذا العملاق المغرور القادم على هذه الأمة، فتفتت أوصاله وجوانبه، ويبدأ الإستنزاف لدمائه وقواه ومواهبه، وهو لا يقدر على الهروب لعامل الإغراء لغلبة السعار عليه، وتسير المعركة إلى مستقرها إلى الحكمة الأولى بأن يردد المؤمنون حكم القرآن: {وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} ويحملها الحكماء لكل موجة قادمة ولكل دفق حاقد جديد: {هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا} ويبصر الكون كله قاعدة الوجود وحكمة الزمان (( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) ).
هذه هي قضية هذه الأمة، وهذا قدرها، أن تبقى هي في أتون المشقة والكبد، ويبقى أعداؤها في نار المحق المتكرر، لتجدد دورات الزمان في كل قرن:-"ويتخذ منكم شهداء"وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( في كل قرن سابقون ) )وتسري على الكافرين حكمة القرآن:- )) لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد )) وتذكر أن هاتين الآيتين هما معنا في سورة آل عمران في خاتمة ذكر هذه الغزوة المباركة، غزوة أحد.