فهرس الكتاب
قدر هذه الأمة ليس إختيارًا ذاتيًا تستطيع أن تنفك منه، ولو أراد بعضهم ذلك فسيكون هناك الآخر الذي لا يرضيه منك إلا هذا الإختيار، وعلى الطاعنين في أولئك المصبوغين بالصبغة الربانية أنهم هم هذه الأمة، بلونها وفعالها وقلوبها ومقاصدها أن يرعووا، لأنهم هم الغرباء عنها لا هؤلاء، وعليهم أن يعلموا أن هذه الأمة قدرها أن تجاهد في ضعفها لتخرج من هذا الضعف، وعليها أن تجاهد في قوتها لتنشر دين الله تعالى وقيمه في الآخرين، وعليها أن تجاهد في كل حال لأن هذا قدرها الذي لا تستطيع أن تنفك عنه، لأنها أمة ربانية أراد الله لعصبة منها أن يكونوا أولياءه وأحبابه.
بهذا الظرف من الهزيمة الوقتية التي تصاب فيها أمتنا بالقروح والآلام والأذى يكون قدرها أن يمحق الله بها الكافرين، وهذا عجب من العجب رأيناه في التاريخ ونراه في عصرنا وستراه الأجيال القادمة رأي العين وحق اليقين.
إن الكثير من الأمة قد ينهار فيصبح حاله حال القِدْر القاعدة التي لا تستطيع دفع أيدي الآكلين، لكن الجيوب المجاهدة، وهم العصبة المؤمنة هم الذين يتحقق بهم هذا القدر الإيماني التاريخي في كل مراحل الزمن ليمحق الله بهم الكافرين، ولذلك فدعاة الإستسلام وإلقاء السلاح وترك الجهاد عند اشتداد المحن وكثرة الجراح والآلام والأذى هم الجاهلون، وهؤلاء لا يحق لهم الدخول في المرتبة القرآنية (( وليمحص الله الذين آمنوا ) )، لأنهم جهلة بالتاريخ والقرآن، وأفئدتهم هواء، لا تصلح قاماتهم الصغيرة لدخول بوابات الحدث القرآني العظيم.
إن أبا بكر الصديق قامة الإيمان المثلى في هذا الباب، حيث تعلم هذا من حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإن سيرته مع حرب الردة وبعث أسامة رضي الله عنهما لتنبئ عن حالة الفقه الخاص الذي يحمله رجل التاريخ والإيمان، ومن هذه القامة المثلى أخذ الناس بعده يتعادون في ظلها عند كل محنة تجرب نفسها في هذه الأمة، مثل قطز ونور الدين زنكي وصلاح الدين، وعز الدين القسام، وأحمد عرفان الشهيد وعبد الله عزام، وأسماء أخرى نطوي عليها مخافة الرقباء ورجاء صلاح قلوب أصحابها رضي الله عنهم بعدم قطعها بالمدح الذي نظنه فيهم.
هذا على وجه من التفسير هو الأولى بالنظر، وأما من قال عن قوله تعالى (( ويمحق الكافرين ) )أي بما يظهر المنافقون من كفر قلوبهم عند هزيمة المؤمنين فيكون سببًا لعذابهم، فهو وجه آخر، لكن الأول أقرب منه والله أعلم، لأننا نرى أن التاريخ يشهد للأول شهادة صدق لا محيد عنها وهو أن كل نصيب للكافرين ضد هذه الأمة أعقبه محق وقطع لهم، لا يرد هذا إلا كل جاهل لا بصر له ولا علم عنده، وهذا فيه عبرة للمؤمنين حين حصول بعد النصيب للكافرين أن يعلموا أن هذا من مكر الله بهم، ومن تمحيص الله لهم، فهو باب خير من جانبين، جانب الصبر وجانب اليقين، أما جانب الصبر فهو الذي يقوي فيهم دافع الثبات والمثابرة، ودافع اليقين أن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وبالتالي فإن نصر الله آت بعودة الميزان الحق إلى نصابه في عزة المؤمنين وهزيمة الكافرين، ومن عجائب فقه السلف أنهم كلما كانوا يرون شدة البلاء قد كثر كلما رجو النصر، وعلموا أنه قد اقترب، وهذا كله من فقه القرآن الكريم، يؤخذ نصًا من قوله تعالى (( حتى إذا إستيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) )فجعل ربنا شدة البلاء، وإغلاق منافذ الأمل من أجواء العالمين علامة على مجيء النصر ونجاتهم من البلاء وإهلاك الكافرين، وأخذه ابن القيم رحمه الله من قوله تعالى (( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، ثم تاب عليهم ليتوبوا، إن الله هو التواب الرحيم ) )قال:- إن أمر الله تعالى لهؤلاء