فهرس الكتاب
ثم ـ وهذا هو الأهم ـ استشعار هذا التفاعل والتعاضد الفريد بين دور البشر ودور المدد الرباني في تنفيذ المشروع الحضاري المنشود. وهذه النقطة هي النبراس الذي يعطي الأمل للعاملين، وهي العلامة الفارقة التي تميزهم عن غيرهم من أصحاب المشاريع المغايرة.
السنن الإلهية... وحماقة الوعل (*) !
أهمية فقه سنة المرحلية والتدرج: هكذا كان منهج التكليف يسير بتدرج ليس فيه تعسف، وبمرحلية ليس فيها تعجل، وبخطة تأخذ في الاعتبار سمو الهدف، ومبلغ الإمكانيات، وكثرة المعوقات.
لقد أمر الحق ـ سبحانه ـ إبراهيم عليه السلام أن يُسْكن زوجه وولده في ذلك الوادي المقفر، ثم تركهم وكرر زياراته لهذا المكان ليتفقد أحوال أسرته المباركة المرشحة لهذا العمل والمشروع العظيم، وكانت تلك هي مرحلة الإعداد والتهيئة.
وبعد ذلك عرّفه الحق ـ سبحانه ـ مكان البيت، وسلمه له، وملكه أمره؛ فكانت هذه مرحلة إعلان نقطة الانطلاق.
ثم أمره أن يقيم البيت على أساس قاعدة التوحيد؛ فيكون خالصًا له ـ سبحانه ـ وحده، وأن يجهزه تجهيزًا خاصًا، وكانت هذه بمثابة مرحلة إعلان الفكرة العظيمة للمشروع العظيم.
ثم جاءت بعد ذلك مرحلة الانطلاق والدعوة للفكرة العظيمة؛ حيث أمره أن ينادي في الناس بالحج، وأن يدعوهم إلى بيت الله الحرام، ووعده أن يلبي الناس دعوته، فيأتوا من كل طريق بعيدة، مشاةًَ على أرجلهم، وركوبًا على كل بعير مهزول من بُعْد الشقة. وما زال وعد الله يتحقق إلى اليوم والغد، وما تزال أفئدة من الناس تهوي إليه تلبية لدعوته عليه السلام منذ آلاف الأعوام؛ وذلك حتى يتحقق المطلوب، وتتحقق غايات هذا اللقاء السنوي العظيم.