الصفحة 29 من 33

وهكذا الشأن في أمر الأعمال الكبرى، والمشاريع الحضارية العظيمة أن تسير في مراحل، وكل مرحلة لها فقهها ولها ظروفها، وأن تتم هذه المرحلية في تدرج ومنهجية حتى تبلغ الهدف المنشود؛ وذلك؛ لأن (التدرج سنة كونية، وسنة شرعية أيضًا. ولهذا خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، وكان قادرًا أن يقول: كوني فتكون؛ ولكنه خلقها في أيام ستة من أيام الله ـ تعالى ـ أي في ستة أطوار أو أزمنة يعلمها الله. وفي هذا المعنى تقول عائشة ـ رضي الله عنها ـ واصفة تدرج التشريع ونزول القرآن:(إنما أنزل أول ما أنزل من القرآن سور فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر ولا تزنوا لقالوا: لا ندع الخمر ولا الزنى أبدًا ) ) (12) (13) .

وقد يستعجل بعض الناس الخُطى، كما استعجل ذلك الفتى الصالح المتحمس عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز ـ رضوان الله عليهما ـ عندما دخل على والده مستبطئًا ومستعجبًا من سياسة والده التدرجية، فقال: (يا أبت! ما يمنعك أن تمضي لما تريده من العدل؟! فوالله ما كنتُ أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك. قال: يا بني! إني إنما أروّض الناس رياضة الصعب ـ أي الجمل الفحل العنيد ـ إني أريدُ أن أحيي الأمر من العدل فأؤخر ذلك حتى أخرج معه طمعًا من طمع الدنيا، فينفروا من هذه، ويسكنوا لهذا) (14) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت