الصفحة 32 من 33

وعلى هذا النهج التربوي، ومن هذا المعين الصافي نجد أن حَمَلَةَ مشعل الدعوة على مر التاريخ البشري، ورواد مسيرة الحركة الدعوية قد خَطّوا معالم خالدة في هذا الباب، ويقف في المقدمة الحبيب -صلى الله عليه وسلم- في وصيته الرائعة: (أنزِلوا الناس منازلهم) (17) .

ولو تدبرنا الجانب الأخلاقي في دعوة نبي الله شعيب عليه السلام لوجدناه يتمثل في قوله - تعالى: (( وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ) )، وهي دعوة كريمة، إلى عدم بخس أشياء الناس؛ ولو استشعرنا مغزاها التربوي البعيد لوجدناه يشمل عدم بخس أي شيء من أي نوع مثل: تقدمهم في العمر، ومكانتهم، وسبقهم الدعوي، ودورهم الريادي، وتقدير كل ما يقدمونه من خير، وكذلك تشجيعهم على أي عمل أو بذل، بل أيضًا بمدح ما يسعدهم من صفاتهم!

وخطر تجاهل هذا المعلم تربويًا من شأنه أن يؤدي إلى ظاهرة دعوية مرضية تسمى: (ظاهرة بخس أشياء الناس) والتي من أدنى مظاهرها تجاهل أعمال الآخر، ومن أعلاها التجريح لأعماله وصفاته، ومن أبسط آثارها على الآخر هو الإحباط، والتثبيط، ومن أخطرها الجروح النفسية التي قد تستعصي على العلاج! ومن آثارها على صاحب هذا السلوك أنه من جهة: يصنف نفسه مع نوعية مذمومة سلوكيًا قال عنها ـ سبحانه ـ: (( كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ) ) [الأعراف: 38] ، ومن جهة أخرى: أنه يظلم نفسه، ويحرمها من أن يضمها ركب نوعية ممدوحة؛ حيث ينسى أنه (لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل) .

الهوامش:

(1) الأكمة: التل.

(2) رواه البخاري، ح/ 3364، وأحمد، ح/2285.

(3) رواه أحمد، ح/21524، وصححه الألباني.

(4) رواه الترمذي: جزء من حديث حسن صحيح غريب 2254، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، المباركفوري 6/385.

(5) في ظلال القرآن، سيد قطب، 1/114 ـ 115 بتصرف.

(6) رواه أحمد، 5/234، وقال الألباني في صحيح الجامع 7739: حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت