الصفحة 31 من 33

وفي موضع آخر أثناء الحديث عن الخليل عليه السلام، نعرف أحد أسباب هذا التقدير والتشريف الموحى به عن خليل الرحمن: (( وَإبْرَاهِيمَ الَذِي وَفَّى ) ) [النجم: 37] ، قال سعيد بن جبير والثوري: أي بلّغ جميع ما أُمر به. وقال ابن عباس: (( وَفَّى ) )لله البلاغ، وقال سعيد بن جبير: (( وَفَّى ) )ما أمر به، وقال قتادة: (( وَفَّى ) )طاعة الله وأدى رسالته إلى خلقه. وهذا القول هو اختيار ابن جرير وهو يشمل الذي قبله ويشهد له قوله ـ تعالى ـ: (( وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَامًا ) ) [البقرة: 124] ، فقام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، وبلغ الرسالة على التمام والكمال؛ فاستحق بهذا أن يكون للناس إمامًا يُقتدى به في جميع أحواله وأقواله وأفعاله) (16) .

فتدبر هذا التكريم والتشريف والتقدير الإلهي للخليل عليه السلام الذي وفّى كل ما أُمر به، وقدّم نموذجًا طيبًا في البذل، وفي إنشاء مشروع حضاري متكامل.

وتأملْ كيف أن إبراهيم عليه السلام ـ وهو من هو ـ كان في حاجة للطيفة ربانية تشعره بالتقدير لتاريخه الناصع، وكذلك بالامتنان على دوره الدعوي، وعلى طاعته لربه ـ جل وعلا ـ فما بالك بمن هو دون تلك القمة، ويسكن السفح؟! ويكون في مسيس الحاجة لكلمات تقديرية بسيطة.

من هذه اللطيفة الربانية الكريمة، نستشف مدى السمو والرقي الأخلاقي الذي يتعلمه الناس من هذا القرآن؛ حيث ورد في غير موضع لمحات تربوية قرآنية كلها تحث على وجوب بث روح التقدير وتنمية خلق التشجيع؛ وذلك لكل من شارك في أي بذل، وفي أي مجال من شأنه أن يُسدي خيرًا للناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت