وعندما افتقدت الساحة العلميّة والدعويّة هذين العلمين أصبح الدعاة بعدهم وطلبة العلم أشبه بالأيتام الضائعين .. الذين لا يضمّهم عقد، ولا تجمع قلوبهم رابطة .. وهذا واقع لا يماري به فيما أحسب أحد من الدعاة وطلبة العلم ..
فعجّت الساحة العلميّة والدعويّة باجتهادات متنوّعة، وأخرى متضاربة، ممّن يملك مؤهّلاتها، ومن لا يملك، وحمل بعضهم على كلّ ما جدّ، لأنّه يخالف ما كان عليه وألفه، وتجرّأ آخرون على الاجتهاد لمواجهة المستجدّات التي تفرض عليهم الحركة والمبادرة، ورأوا أنفسهم أهلًا لذلك .. وتفرّق الصفّ الواحد، والقلوب المجتمعة، التي كانت وراء إمامها على ما يشبه القلب الواحد ..
فهل من سبيل لتدارك هذا الخلل، وعلاج هذا الأمر الجلل.؟ إنّ السبيل إلى ذلك في تقديري أن يتّفق الدعاة وطلبة العلم على ضوابط شرعيّة تربويّة، وأخرى منهجيّة، تجمع قلوبهم، وتحفظ مسيرتهم من التفرّق والاختلاف، وتكون أمرًا يحتكم له، ويرجع إليه ..
ولقد سرّني ما كتب الأخ الفاضل الشيخ محمّد بن موسى الشريف في مقاله المنشور في موقع لجينيّات:"يا مشايخ المملكة اجتمعوا على كلمة سواء .."، وبقدر ما سرّني حديثه الغيور الصادق، فقد آلمني ذلك المضمون الذي يتحدّث عن الواقع المؤلم، الذي آل إليه حال الساحة الدعويّة في هذه البلاد المباركة ممّا لا يخفى على أحد ..
وكنت أتمنّى من فضيلته أن ينتقل من هذا التوصيف للواقع إلى تقديم التصوّر الصحيح للكلمة السواء التي يدعو المشايخ إليها .. وكأنّه بأدبه الجمّ رعاه الله أراد أن يترك الكلمة الأولى للعلماء، ولا يتقدّم بين أيديهم برأي ..
ولم أنته من مقال الأخ الفاضل إلاّ لتقع عيني على مقال آخر، كأنّه كان على ميعاد مع مقال الأخ الشريف، ولكنّه في الاتّجاه المعاكس، ليؤكّد أهمّيّة ما يدعو إليه في مقاله، والمقال الثاني بعنوان:"ألم يأن لسلمان العودة أن يتوب.؟".. وقرأت المقال الثاني، والتعليقات التي بلغت أكثر من ستّين تعليقًا بين مؤيّد ومعارض، ولا أخفي القارئ الكريم أنّ هذا المقال آلمني أشدّ الإيلام بما بلغت أحوالنا من إسفاف، لا نحسد عليه، واستغربت من إدارة موقع لجينيّات أن ينشر مثل هذا المقال [1] . إذ لم أجد في هذا المقال نصًّا ولا أثرًا من: ( .. أذلّة على المؤمنين، أعزّة على الكافرين .. ) ولم أجد فيه نصًّا ولا أثرًا من: ( .. أشدّاء على الكفّار، رحماء بينهم .. ) ولم أجد فيه روح الأخوّة الصادقة، التي تغار على عرض الأخ المسلم كما تغار على عرضها، وتذبّ عنه أكثر ممّا تذبّ عن عرضها، وتقدّم له النصح بالمنهج النبويّ المعروف، الذي لا يخفى على أدنى طلبة العلم ..
وتأكّدت لي من هذا المقال ضرورة أن يدلي الإنسان بما يراه من الحقّ، حرصًا على صفاء القلوب، ووحدة الكلمة، واجتماع الصفّ .. وأنا أعلم أنّ مثل هذا الموضوع لا تفي بحقّه مقالة ولا مقالات، ولا يحيط به قلم كاتب واحد مهما بلغ ..
(1) ـ وقد لاحظت بعد ذلك أنّه حذف من الموقع نهائيًّا، وكان من الخير أن لا ينشر أصلًا.