ولكن حسبي تسليط الضوء على هذه الفريضة الغائبة المسيّبة، وأن أدلي بدلو بين الدلاء، وأقدّم جهدي متطلّعًا إلى جهود غيري ومشاركتهم، من السادة العلماء، والدعاة النجباء، وما لا يدرك كلّه، فلا يترك قُلّه ..
وتأسيسًا على ما تقدّم فإنّي أضع بين أيدي إخواني من الدعاة وطلبة العلم أهمّ ما أراه من معالم تربويّة ومنهجيّة لضبط المسيرة الدعويّة، ولا أدّعي الكمال فيما أقول وأكتب، وإنّما أعرض ما عندي، وأتقبّل كلّ ما يرد عليه من نقد موضوعيّ هادف، وإضافة مفيدة، وأسأل الله جلّ وعلا أن يأخذ بنواصينا إليه، ويلهمنا رشدنا، ويعيذنا من شرّ أنفسنا وأهوائنا، ومن شرّ الشيطان وأحابيله، إنّه أكرم مسؤول، وأرجى مأمول، وهو حسبي، ونعم الوكيل.
أهمّ المعالم التربويّة والمنهجيّة لضبط المسيرة الدعويّة:
1 ـ علينا أن نحاسب أنفسنا، ونمحّص نيّاتنا، ونستشعر رقابة الله تعالى علينا، ونقف على حقيقة دوافعنا قبل أن نكتب ما نكتب، أو نقول ما نقول، وكم خدعت النفوس أصحابها، وزيّنت لهم الحظوظ الدنيئة بزينة الحقّ، ولبّست عليهم الباطل بالحقّ.! والله تعالى يقول: (بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره) من سورة القيامة //، وينبغي قبل أن نتكلّم أن تكون النصيحة الخالصة رائدنا، والرحمة والشفقة دافعنا، وأن نحسن اختيار الكلمات، ونسمو في التعبير عمّا نريد من الخير وعرضه، وليكن شعارنا في ذلك قول الله تعالى: (فقولا له قولًا ليّنًا، لعلّه يتذكّر أو يخشى) من سورة طه // ..
وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله خطر الانطلاق من الدوافع النفسيّة، وحذّر منه فقال:".. وهذا الاختلاف المذموم من الطرفين يكون سببه تارة: فساد النية؛ لما في النفوس من البغي والحسد وإرادة العلو في الأرض ونحو ذلك، فيحبّ لذلك ذمّ قول غيره، أو فعله، أو غلبته ليتميز عليه، أو يحبّ قول من يوافقه في نسب أو مذهب أو بلد أو صداقة، ونحو ذلك، لما في قيام قوله من حصول الشرف والرئاسة .. وما أكثر هذا من بني آدم، وهذا ظلم. ويكون سببه تارة جهل المختلفين بحقيقة الأمر الذي يتنازعان فيه، أو الجهل بالدليل الذي يرشد به أحدهما الآخر، أو جهل أحدهما بما مع الآخر من الحق: في الحكم، أو في الدليل، وإن كان عالمًا بما مع نفسه من الحق حكمًا ودليلًا. والجهل والظلم: هما أصل كلّ شرّ، كما قال سبحانه: ( .. وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) . سورة الأحزاب الآية 72 [1] ."
2 ـ النصيحة بشروطها وآدابها هي الحقّ الأكبر من حقوق الأخوّة بين المؤمنين، ولا بديل عنها إلاّ التجريح والاتّهام، والخوض في الأعراض، والقطيعة والتدابر، وما يتبع ذلك من سلسلة رديئة من الخلائق المذمومة، والمآثم القلبيّة، التي لا تقف عند حدّ .. وأهمّ آداب النصيحة أن تكون سرًّا، بصورة مباشرة، أو بطريق المكاتبة والمراسلة ..
(1) ـ اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 148) .