تَأنَّ ولا تَعجَل بِلومِك صَاحبًا .. .. .. لعلَّ له عُذرًا وأنتَ تَلومُ [1] .
وما أكثر ما ينقل العامّة أفهامهم عن أهل العلم إلى طالب علم آخر، فيسرع بإساءة ظنّه، أو إنكاره على إخوانه دون تثبّت ممّا سمع، وعندما يعرف حقيقة القول والموقف يتبدّى له كم كان متسرّعًا، وأنّه إنّما أُتي من قبل تسرّعه، وقبوله لتلك الأقوال المشوّهة أو المغرضة ..
5 ـ ضرورة التمييز بين الثوابت والمتغيّرات: فقبل الاعتراض والإنكار، والتشنيع وإثارة الغبار لا بدّ من تصنيف العمل الذي هو محلّ إنكارنا: أهو من الثوابت والقطعيّات، التي لا يجوز فيها الاختلاف، أم هو ممّا اختلف فيه قديمًا، فلا يزال الخلاف فيه قائمًا، ولا مطمع لأحد في إلغائه، ولكلّ طرف أدلّته وحججه ..
وقد أشار شيخ الإسلام رحمه الله إلى هذه النقطة في النصّ السابق بقوله:".. ويكون سببه تارة جهل المختلفين بحقيقة الأمر الذي يتنازعان فيه، أو الجهل بالدليل الذي يرشد به أحدهما الآخر، أو جهل أحدهما بما مع الآخر من الحق: في الحكم، أو في الدليل، وإن كان عالمًا بما مع نفسه من الحق حكمًا ودليلًا. والجهل والظلم: هما أصل كلّ شرّ"، وصدق رحمه الله: إنّ الجهل والظلم: هما أصل كلّ شرّ.
وكثير من الدعاة وطلبة العلم يلزم ما ألفه واعتاده، ويتمسّك به أشدّ التمسّك، وينافح عنه، قبل التفكير فيه: أهو من الثوابت التي لا خلاف فيها أم من الأمور المختلف فيها.؟ فتراه يسارع إلى إنكار ما لم يألف، بل والشدّة في ذلك بصورة تخرجه عن الموضوعيّة، والمنهج العلميّ الرشيد ..
6 ـ من الظواهر الصحّيّة في العالم والداعية أن يتطوّر خطابه الشرعيّ والدعويّ، وينضج ويتجدّد، وإلاّ فإنّه يتخلّف عن مستجدّات عصره، وينعزل عن الواقع ولا يعيشه، ويجمد ويتآكل، وربّما كانت مواقفه فتنة على الناس، وإساءة لدين الله من حيث لا يشعر ..
وهذه الظاهرة الصحّيّة التي نراها في العالم والداعية، ونشيد بها فيما أثر عن بعض الأئمّة من السلف، ربّما نظر إليها بعضهم على أنّها منقصة ومثلبة، فما أكثر ما قرأنا وسمعنا من بعض أهل الغيرة والحميّة أنّهم يحاكمون بعض العلماء والدعاة إلى ما كانوا عليه قبل ربع قرن أو يزيد، ويعدّون تغيّرهم مثلبة، وانتكاسًا عن الهدى وانحرافًا، ويغمزون بهم ويلمزون، ولا يزالون يناشدون أحدهم في كلّ مناسبة: عد إلى ما كنت عليه يا فلان .. أين فلان الذي كان كذا وكذا.؟! لقد تغيّر فلان، ولم يعد من نعرفه ..
ونقول لهؤلاء: ميّزوا يا إخواننا بارك الله فيكم بين الثوابت والمتغيّرات، وبين المقاصد والوسائل، وبين الأحكام المطلقة، والأحكام المؤقّتة، المرهونة بظروفها
(1) ـ هذا البيت لدِعبل الخُزاعيّ (ت 246هـ) ، وقد توارد الشعراء على تضمين شطره بشعرهم، يقول مسلم بن الوليد الأنصاري (ت 208هـ) :
لعلَّ له عُذرًا وأنتَ تلومُ ... وكم لائمٍ قد لامَ وهوَ مليمُ
وقال أبو العلاء المعرِّي (ت 429هـ) : لكَ اللهُ لاتذْعَر وَليًّا بغَضبَةٍ ... لعلَّ له عُذرًا وأنتَ تلومُ.