الصفحة 6 من 8

وملابساتها .. وفتّشوا أنفسكم هل أنتم لم تتغيّروا أبدًا .. فعلام الإنكار على ما لا يدخل تحت الإنكار.؟!

وقد ثبت أنّ كثيرًا من الصحابة - رضي الله عنهم -، وهم خير القرون أشاروا إلى تغيّر حصل في حياتهم بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن ذلك بالضرورة سيّئًا أو انحرافًا عن الهدى، وإنّما كان من قبيل التكيّف مع المستجدّات، ممّا لا يتعارض مع دين الله ومنهجه، وهدي نبيّه - صلى الله عليه وسلم - وسنّته ..

وقد ثبت أيضًا عن الخليفة الراشد عمر الفاروق - رضي الله عنه - أنّه اختلف حكمه واجتهاده في مسألة بين وقت وآخر، وعندما قيل له: لقد قضيت فيها بكذا وكذا يا أمير المؤمنين، فقال - رضي الله عنه:"تِلْكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذِهِ عَلَى مَا نَقْضِي" [1] .

وقال - رضي الله عنه - في كتابه إلى أبي موسى الأشعريّ في القضاء:".. وَلَا يَمْنَعَنَّكَ قَضَاءٌ قَضَيْت فِيهِ اليَوْمَ فَرَاجَعْت فِيهِ رَأْيَك فَهُدِيت فِيهِ لِرُشْدِك أَنْ تُرَاجِعَ فِيهِ الحَقَّ، فَإِنَّ الحَقَّ قَدِيمٌ لَا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ، وَمُرَاجَعَةُ الحَقِّ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي البَاطِلِ" [2] .

7 ـ"كلّ رجل من المسلمين على ثغرة من ثغور الإسلام، الله الله لا يؤتى الإسلام من قبلك" [3] . ممّا لا يخفى على كلّ طالب علم وداعية أنّ الساحة الدعويّة أرحب مجالًا للاجتهاد، وأوسع من الساحة الشرعيّة، فأكثر قضاياها تدور حول المصالح المستجدّة في حياة الناس، ومن هنا تتنوّع الاجتهادات وتختلف بين بيئة وأخرى، وزمن وآخر، ولا ينبغي لداعية أو طالب العلم أن يضيق بذلك ذرعًا أو يقصر نظرًا، ممّا هو من مزايا هذه الشريعة الربّانيّة الخالدة.

يقول الشيخ سلمان العودة:"أنا لا أقول عن نفسي ولا عن غيري: إنّنا استفرغنا القيام بكلّ الواجبات الكفائيّة، بل أقول: إنّ أكثر الدعاة يرى الواحد منهم أنّه قام ببعض الواجب، وسدّ بعض النقص، وغطّى بعض الأمور، وقام في بعض الثغور، وأنّ غيره قام بواجبات أخرى، فكلّ من قام بواجب ممّا اشتغل به الدعاة، أو مما لم يشتغل به الدعاة فنحن نشكره ونؤيّده، وندعو له، ولا نقول: إنّ الذي نقدّمه إنّما نقدّمه للناس هو منهج ينبغي للجميع أن يسلكوه؛ بل هو محاولة لسدّ نقص، وتلافي ثغرة موجودة، وغيرنا يقوم بغير ذلك من ألوان الخير وصنوفه، وكلٌّ على ثغرة من ثغور الإسلام، وكلٌّ على خير إن شاء الله تعالى" [4] .

ألا ما أسوأ أن يكون المسلم على ثغرة من ثغور الإسلام، ينافح عن دينه، ويتلقّى سهام أعداء الإسلام بصدره، وفي الوقت نفسه يخذل من إخوانه، فيطعن منهم بظهره، ويتّهم في دينه وعرضه.؟! وربّما استجرّ بذلك إلى ترك الثغرة التي

(1) ـ قال ذلك - رضي الله عنه - عند ما قضى في ميراث الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم؛ فحرمهم مرة من الميراث، وأشركهم معهم مرة أخرى. انظر المغني ابن قدامة: 9/ 57. والأحكام السلطانية (1/ 114) والبيهقي في سننه الكبرى 10/ 120.

(2) ـ انظر إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 111) .

(3) ـ رواه محمد بن نصر من حديث يزيد بن مرثد مرسلًا.

(4) ـ من دروس الشيخ سلمان العودة (267/ 17) ، كما في الموسوعة الشاملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت