هو قائم عليها، والالتفات إلى معارك جانبيّة، لا أوّل لها ولا آخر .. وأظنّ أنّها صورة لا نرضاها لأنفسنا، ولكنّه واقع نعيشه وألفناه.! ثمّ نسأل متى نصر الله.؟!
وأنا لا أكتب ما أكتب دفاعًا عن أحد، وإنّما تقريرًا لمنهج، ونقدًا لواقع عامّ .. وإن كنت يشرّفني أن أدافع عن عرض أيّ مسلم، ظاهره الخير والصلاح ..
8 ـ تنوّع خطاب الداعية وأسلوبه ظاهرة صحّيّة، لا تدعو إلى الرفض والإنكار: فلا يخفى على كلّ طالب علم وداعية أنّ خطاب الداعية وأسلوبه يتنوّع على حسب الفئة التي يخاطبها؛ فخطاب العامّة غير خطاب الخاصّة، وخطاب المتديّنين غير خطاب البعيدين الشاردين، والخطاب العلميّ الأكاديميّ غير الخطاب الوعظيّ العاطفيّ، وخطاب الكبار غير خطاب الأطفال والشباب .. فلكلّ مقام مقال، ولكلّ جبهة سلاح وعتاد، وطعام الكبار سمّ للصغار، وقد أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، ونخاطب الناس على قدر أفهامهم، وقربهم من الحقّ والخير أو بعدهم، وكلّ ذلك يدخل في ميدان حكمة الداعية، وفقهه لدينه، ووعيه بالواقع ومستجدّاته ومتغيّراته: ( .. ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا .. ) الآية /269/ من سورة البقرة.
9 ـ اجتماع الكلمة، وتآلف القلوب فريضة كبرى، فإن لم نصل إليها، ولم نقدر عليها فلا أقلّ من كفّ ألسنتنا عن إخواننا، واشتغالنا بما ينفع الأمّة، ويكون خطوة ولو بطيئة في سبيل اجتماع كلمة الأمّة، واجتماع جهودها، ووحدة صفّها .. ولا نجانب الحقيقة ولا نبالغ إذا قلنا: إنّ أكثر ما حلّ بنا من الضعف والتخاذل، وضعف العطاء، وتكالب الأعداء إنّما سببه تفرّق القلوب، واختلاف الكلمة، وفساد ذات البين ..
10 ـ الحوار العلميّ هو اللغة الحضاريّة الراقية التي نزل بها القرآن الكريم، وأخذ بها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في دعوته وهديه، ولم يرشد إليه في التعامل بين المسلمين فحسب، وإنّما في التعامل مع أصحاب الديانات الأخرى، فهو السبيل الأمثل في الدعوة إلى الله تعالى، لأنّ من كان على بيّنة من أمره، ويقين من دينه، لا يهرب من مواجهة الباطل بالحوار، ولا يفزع ..
وإذا كان المسلم مطالبًا بمجادلة غير المسلم بالتي هي أحسن، فمن باب أولى أن يحاور أخاه المسلم بلغة راقية، وأسلوب لا يوحش القلوب، ولا يعكّر صفو العلاقة .. وكيف نطمع بنصرة ما معنا من الحقّ وقبوله إذا سلكنا سبيل الفظاظة والمخاشنة.؟!
11 ـ من القواعد المقرّرة، التي تتّصل بالموضوعيّة، والتجرّد عن الهوى والعصبيّة، ولا خلاف عليها فيما أحسب: أنّنا نعرف الرجال بالحقّ، ولا نعرف الحقّ بالرجال، فالرجال مهما بلغوا من العلم والفضل يؤخذ منهم الحقّ، ويترك منهم ما خالفه، والحقّ أحبّ إلى القلوب من الرجال، ولا أحد يعدّ كلامه معيارًا وميزانًا للحقّ إلاّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحي يوحى ..
وهذه القاعدة تعني أنّنا لا نقدّس أحدًا من الرجال، ولكنّنا أيضًا لا نهدر مكانتهم ومنزلتهم، ولا نرضى بانتقاصهم لخطأ اجتهاديّ أخطؤوه، فيما نحسب