ومما يحزن له المسلم في هذا العصر حين يرى ذلك التفرق والاختلاف المذموم بين كثير من فئات الحركات الإسلامية ، وتشكيك كلِّ حركة بالأخرى، وفرض كلِّ حركة على أتباعها نوعًا من الوصاية الفكرية ، فلا تجدهم يقرؤون إلا لمنظري الحركة وعلمائها ، ولو علموا أن أحدًا من أتباعهم يقرأ أو يحضر لغيرهم لشنُّوا عليهم حملة عارمة لا هوادة فيها !
وصدق أحد الشعراء حين قال مشخِّصًا اختلاف كثير من أتباع الجماعات الإسلامية ، وتفرقهم وتعصبهم:
وما شكواي أو شكواك إلا * لفوضى في المجامع وانقسام
ترى كلًا له أمل وسعي * وما لاثنين حولك من وئام
لكل جماعة فينا إمام * ولكنَّ الجميع بلا إمام
وحين رأى الكفار هذا التفرق الذي يدبُّ في أمتنا ، ويفرق بين صفوفها استولوا على كثير من أقطارها لانعدام الوحدة الإسلامية . وهذا ديدنهم في كل حين ، حين يرون أهل الإسلام قد اختلفوا وتشرذموا فرقًا وأحزابًا كل حزب بما لديهم فرحون ، فإنهم سيلتهمون بلاد الإسلام ، وقد نبَّه إلى هذا الملمح الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ بقوله: ( وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله التتر عليها كثرة التفرق والفتن بينهم في المذاهب وغيرها، حتَّى تجد المنتسب إلى الشافعي يتعصَّب لمذهبه على مذهب أبي حنيفة حتى يخرج عن الدين ، والمنتسب إلى أحمد يتعصَّب لمذهبه على مذهب هذا أو هذا، وكلُّ هذا من التفرق والاختلاف الذي نهى الله ورسوله عنه) مجموع الفتاوى [22/254] .
فمن الفطنة أن نردم الشقاقات بيننا وأن نتلاقى لقاءً إيمانيًا أخويًا ، ولِنُفَوِّتَ على أعدائنا فرصة الفرحة بوقوع الخلافات بين الإسلاميين أو تثميرها واستغلالها لصالحهم.