فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 33

لم تكن البديلة عن أمي أمًا. ولم تكن قارسة. لكنني لم أحس بها رضًا أو اقتناعًا، رغم محاولات أبي الدائبة. وهذا ما كان يتركني بعيدًا أطول فترة ممكنة، مع إحساس بالاغتراب، والمسافة تكاد لا تذكر، قبل أن يهيمن كل ذلك البعد في تلك المهمة. كان الإحساس بالفاقة أكثر منها، وشعور بالاضطراب لا ينثني. رغم إشغال الوقت بما تتطلبه الواجبات، وما يستفيض عن ذلك من محاولات الاقتناع بما هو كائن، وتوقع ما يمكن أن يكون أفضل.

حين أستذكر ذلك الخريف، يختلط علي الأمر. فقد تدافعت رزمة من البدايات في وقت قصير، لأحتار في تقديرها، أو حتى توصيفها. فهل كانت متوازية أم متتابعة؟! وأيُّها كانت مقدمة للأخرى؟! أم أن لكل منها سببًا منفردًا؟! فأصل بالتالي إلى الدوامة التي تجعلني أفكر بالطريقة ذاتها: تلك النهايات التي خلص إليها بعضها، والأخرى التي لما تختتم بعد. رغم أن ملامحها بادية، وخلاصتها لا تخفى.

"خطر لك مرارًا أن تتحكم بالمسارات جميعًا، وتنهي الأمور كلها دفعة واحدة، بطريقة تختارها. لكن كل ذلك بقي أمنيات تختلف درجة حلاوتها من وقت لآخر."

لماذا انتهت المهمة بتلك السرعة، وتلك الطريقة؟!

لماذا ابتدأت بتسارع محموم، وطقوس غريبة؟!

أسئلة ما تزال عالقة في ثنايا الفصول بكل ألوانها. لكنها تتكاثف في شفق الخريف، كل خريف. لتنهمر في لياليه حصى أو أشواكًا، أو حدودًا حادة!

(كما بدأتَ تنتهي..)

هل كانت تلك المرأة تصدق، تخمن، تلعب؟!

هيكلها يوحي بالغرابة، لباسها، الألوان الكامدة على يديها ووجهها، خواتمها، شعرها المشعث..

هذا ما بدت عليه، حين كان غروب الخريف يرمد.

ماذا تقصد؟! ومن تكون؟! وهل تقول الحقيقة؟!

ليست شحاذة، لم تطلب مالًا، ولم تأخذ سوى كسرة خبز: لو تغمس بالزيت، تكون أطيب.

كان يمكن أن تنام عندنا، كما طلب منها والدي. لولا الأم البديلة:

"خفتَ أن تفعل، ذلك يكفي، لست مؤهلًا للمزيد.."

هل الحقيقة فوضوية إلى هذا الحد؟! هل هي غريبة؟! أم أنها لا تحتاج شكلًا مناسبًا أو هيئة محددة؟!

لكن الشكل الذي بدأت به تلك المهمة كان غريبًا، مباغتًا، عارضًا. والنتيجة قارسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت