تلك المرأة برزت فجأة، مع بدء الإعلان عن المهمة. لطالما فكرت بامرأة مميزة. ولم يكن مجال للتفكير، ولم تترك العواطف أية فرصة للمحاكمة. ولا الاستعداد للمهمة كان يمكن أن يعين في ذلك. كما لا تترك المحاكمة الآن أية فسحة للعواطف كي تبرر ما كان، أو تسكت عن تبكيت، أو تخفي قنوطًا بعد سنوات من ذلك الختام.
كما بدأت أنتهي!
متى؟! كيف؟! أين؟!
هل سيموت أبي معي؟! أبي الذي حزن كثيرًا من أجلي، بعد الذي حصل.
ضحك:
-هذا كلام يدعو للسخرية. كلنا سننتهي كما ابتدأنا.
قلت:
-الطريقة الغريبة في قوله، وعرضه، وتأكيده تجعله ليس طبيعيًا.
تحولت الضحكة إلى أسى مكتوم:
-أنت من سيجعله كذلك يا بني، أو تتمناه.
حين أفكر بتلك المهمة، والظروف التي رافقتها، أتمثل حالًا من الذهول المر، والحيرة الشائكة. فما الذي دفعني لإنهاء المهمة؟! والأشياء قد بدأت تأخذ مسارها الطبيعي، والمنغصات التي ترافق حال الغريب عادة بدأت تتحلل؟! ومن أين جاء ذلك الإحساس بالنكوص؟! أو ربما ذلك الشعور بالعظمة؟! فبدت المهمة، بكل ما يمكن أن ينجم عنها، هزيلة ضئيلة لا تستحق الوقت الذي سيهرق من أجلها، والاحتمالات التي ستتلاشى لمجرد الارتهان لفصولها.
وهذا يقود إلى الوسواس الذي دفعني إليها.
لم تكن نكسةٌ تودي إلى الهرب، ولا خيبة مفاجئة تجر إلى الانتحار، ولا طموحٌ يدفع للمغامرة.
إذن؟!
تأخذني الأفكار عميقًا، لتجعل من تلك المهمة اختصارًا رمزيًا للرحلة كلها، الرحلة التي يمكن أن تختتم بالطريقة ذاتها. وهذا ما يعيد إلى الواجهة العبارة التي رددتها تلك المرأة بثقة، وربما بأسى محايد، ما تزال ملامحه المتكهنة تستثيرني. فأنقب في البدايات التي تؤدي، أو يمكن أن تؤول إلى تلك النهايات.
وهذا ما يجعلني أقعد طوال الأيام، أفكر في ما كان ويكون. فأصل إلى انكفاء عن الفعل. مما يجعل الفصل التالي مرجأ أو ملغى. فيريحني من نتائج جديدة لا تحمل سوى المزيد من النكسات.
بيد أن هذا الأمر بذاته يجعل الوقت والفصول بلا معنى، والرحلة كلها بلا طعم سوى المرارة.
وعلى الرغم من ذلك، فإن الشيء الذي ينخرني في هذه الأمسية الخريفية، والشمس أكملت غيابها القاتم، أن كل الإشارات توحي بوسواس بدأ لكزه الواخز الملح، وترافق ذلك مع ملامح امرأة تبدو مميزة، إن هذا الخريف مختلف.
الثمرة
لا.. لا أظن أن ذلك لأنها في أراضي الجيران!
إذن؟!