لدينا أشجار منها؛ كان لدينا. تهرأت جذوعها، غصونها التي اندفعت من هنا وهناك لم تثمر، ولم تتعلق بها تلك الثمار الصلبة. حتى البرية منها لم تعمر طويلًا؛ نداهمها، دون أن يعفيها أنها من دون طعم.
"… صلبة أيضًا، هذا ما كان يبدو، ولم تكن تهتز إلا قليلًا.. لم يكن باستطاعتي التأكد من نضجها. لم أجرب.. لكنها شهية أيضًا، شهية كثيرًا!".
يقول أبي: نقطفها، ونخمرها في التبن؛ لو كانت لدينا!
ونقول: لا.. لا يمكننا الانتظار. تناولها عن الشجر أطيب، حتى لو كانت غير ناضجة؛ تنضج في أيدينا!
وتقول أمي: حظنا هكذا. انظر إلى ثمرات بيت الحمدان!
ونقول: أمي.. أولادهم لا يعرفون أن يأكلوا، أم أهلهم لا يسمحون؟!
"أنظر إلى ثروات بيت الحمدان وأقول: حظ.. وهل نعرف أن نأكل؟! هل نستطيع؟!"
تضحك أمي: حظ يا ولدي؛ الدنيا حظوظ!
وتنظر صوب أبي الذي أطرق، وفي عينيها ظلال حسرة!
ليس شجره كثيرًا، لم يعد كذلك، ولا موسمه وافرًا، لكن طعمه لا يضاهى. هذا ما نستشعره حين تأتي حصتنا من ثمرات شحود في رحلته الحولية إلينا، أواخر المواسم؛ تلك التي ننتظرها بتلمظ. كان أقرب أقربائنا، رغم أنه البعيد، وسواه لا يبعد بعضهم عنا أكثر من سماكات جدران. ولذكره صدى كثيف الحلاوة، لا يخفف منه توالي تردده من فم والدي مفاخرًا.
ذاك الطعم لا ينافسه إلا طعم ثمرات آل الحمدان. ننتشي ونحن نتحسسه في سرد الحكايا، ونخطط للحصول على حصتنا منه، وحين نتذاوق ما اقتسمناه بعد مغامرة مضنية.
"هي حصتي وحدي. لا أريد اقتسامها مع أحد، ولا حكايتها. وكنت أتضايق من ذكرها، أحاول الهروب بالحديث إلى أية فاكهة أخرى. ولن يصدقوا إن رويت لهم:"
(كان دوري في رد الإهانة. ذهبت إلى الحدود؛ دورها أيضًا بدأت أتفُّ صوب الجهة الأخرى، وجاهرتْ بالفعل ذاته نحونا. واقتربنا أكثر. الشجرات المكتنزة بالثمار قريبة، تلك التي نحيك الخطط لاقتناصها. والثمرات الأخرى أقرب. كنت أمني النفس بالنظر إليها ، وانتظار فرصة أصعب للوصول. شهية كانت، وناضجة رغم أن شكلها لا يوحي بذلك. هذا ما اكتشفت بعدما صرت آخذ دور إخوتي. وفرحت أمي لحماستي في رد الضيم في الحرب المتواصلة مع آل الحمدان منذ سنين. لكنها سرعان ما اتهمتني بالخيانة، وسحبت مني المهمة، وصارت ترسل أخي. لست متأكدًا أنها رغبته، أو رغبة أخيها في الجهة الأخرى.) .
وتعاركنا طويلًا.."."