في أول دخل لي، فكرت بوليمة منها. بحثت عنها في أسواق عديدة. لم تكن كثيرة ولا طيبة. لها طعم التبن، أو الماء. نكهتها شبيهة ثمرة أخرى، لم أكن قد تذوقتها قبل ذلك. أثارني شكلها حين رسمه لي في الهواء صديق آيب من السفر، بشفاه ملمظة، وحركات ذات معنى.
لم يكن شجره معروفًا في منطقتنا، ولا الشكل الشهي لثمره. فلباسهن لا يفصح، ولا كلامهن.
حتى طعمه الذي تلهفت إليه في أول مناسبة، لم يكن على قد الشهية. فارتسمت غصة أخرى، أقل من غصة ثمرتي الخانقة حتى قبل نضجها!
لم تعد الحدود ميدانًا لمعارك حادة؛ كبرتُ على القيام بتلك المهمة، وكبرتْ أيضًا، واقتربنا أكثر في مواجهة مشروعة. لم يعد لتلك التخوم معنى، بعدما تداخلت الحدود وتشابكت حتى لم يعد ممكنًا، لو مر سيف بيننا، معرفة أي الدماء تهرق! لكنني عرفت أن شحود مات، وضاعت سلته الشهية..
وقعدت أتلمظ طعمًا يغيب.
حين صار لي متسع من الإمكانية، قدرت أنني أستطيع أن أزرعها، وأهيئ لها كل ما يلزم. جعلتها اختصاصي، قرأت الكتب، وسألت الخبراء، وانتظرت أولى الثمار. قلت: ربما أصابتها العيون التي لا أشك في أنها تتشهاها. كتبت لها عند الأولياء، ونذرت. منعت المرور جوار البيت. حتى الضيوف الذين امتدحوا خضرتها ونضارتها، قاطعتهم حين بدأت تزهر.
كان لها طعم الماء.
عطشتها..
بدأت تذبل أمام عيني، وتحت أنفاسي.
يئستُ، أهملتها. وعدت أنظر في الجهات كلها.
سُرقتْ..
من يمكن أن يقوم بذلك؟! ماذا يجد فيها؟!
أين منها ذاك الطعم؟!
حزنت، لم أحزن..
نظرت في كل اتجاه..
ما تزال الغصة في قلبي!
الصوت
"- لو كان لي صوت، لصرخت في وجهه !"
قال في سره، وهو يراجع أصداء لقاء انتهى للتو.
"- لو كان…!"
زفر تافًا رذاذًا حارًا؛ تأكد له ذلك من كثافة بوق البخار الذي انطلق من بين شفتيه.
"- لماذا لم يصرخ في وجهه أحد؟!"
-ظننت أن ذلك سيحصل!""
فح بوق آخر:
"-فعلها أحدهم، بل فعلوها جميعًا، ولكن…!"
"وحدي بقيت صامتًا؛ أطرقت قليلًا، نقلت ناظري بينهم، يتكلمون بحماسة."
قاطعوه مرارًا، بالهتاف والتصفيق؛ لم يُنظر إلي. منهم من نظر عرضًا.. لم يسألني أحد عن رأيي، لم أطالب بحقي في الكلام؛ ليس لدي أبلغ مما قالوا، ومن غير اللائق أن تردد أقوالًا مشابهة، أو أقل حرارة…!""
فكر ثم أضاف مداريًا حال حزن مكتئب:
"هذا فيما إذا كان لي صوت…!"
قال والدي:
-أنا أحب (وديع ) أكثر، لأن صوته من رأسه!