فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 33

وتابع، بعد أن نفر سؤال في وجهي:

-هناك من يكون صوته من بطنه!

-وصوتي أنا؟!

ضحك:

-أنت.. ليس لديك صوت… بعد !

وأضاف مع أنة مديدة حادة:

-لا تزعل! لست وحدك.. أنا أيضًا ليس لدي صوت؛ لا أحد يسألني عنه!

سهرت مندهشًا:

صوت أبي واسع حاد، حين ينادينا، أخي وأنا، في الحارة البعيدة كي نعود قبل المغيب.

كان يطلقه معتّبًا، وهو يستريح من حفر الأرض، وابتناء المساند الحجرية للسفوح المنحدرة، فتردد أصداءه الوديان..

تباهى أمامنا مرات، بأن لصوته الفضل في استمالة قلب أمي، حين اشترك في منادمة شرسة، جوار البيت الذي صار بيت جدي؛ ومنافسه مقومس ! لكن حمارًا لا يلبث أن يطلق نهيقه المديد حين تتعالى نبرة صوته! فبقي صوت والدي وحيدًا مؤثرًا:

إذن لماذا لم يعد لوالدي صوت؟!

سمعته يقول مرات:

-سبحان المعطي! صوت حمد يصل مسافة يوم، وعتاباه قوية حادة. إنه رزقة حقًا، سبحان الرزاق!

-هل يبيع صوته؟!

ضحك:

-لا.. ليس تمامًا؛ يتقاضى بعض النقود عن عذوبته ومعاني أبياته؛ هو لا يطلب، المستمعون يدفعون من خواطرهم.

-ولكن سلوم باع صوته!

-سلوم…

وضحك باسترسال:

( جاؤونا بورقة جريدة، وقالوا: أصواتكم لنا؛ يجب أن تكون لنا. انظروا بياننا/ برنامج عملنا! نحن من نستحق أصوات الكادحين! لن تضيعوا أصواتكم هنا وهناك. يجب أن تعلموا أن لها قيمة، ثمنًا…

تناول سلوم الجريدة، وبدأ يصفّر، ويهز رأسه. وصاحب البذلة المكوية، ينتشي:

-أرأيت؟! اقرأ لزملائك.. خبروا أصحابكم! )

وتابع والدي:

( كتمت ضحكة -جلجلت بعدما ذهبوا - حين مد المرشح يده إلى الجريدة، يصحح من وضعيتها، قائلًا: هذا من شدة لهفتك لقراءة البيان!

قال سلوم: كنت أصفّر من منظر السيارة التي في الجريدة؛ ظننته حادثًا، فالدواليب إلى أعلى!!

ثم ضحكنا أكثر حين قلت له:

-حسبتك ستقول: ما أنا بقارئ!

-صل على النبي يا رجل!

وترافق ضحكه مع رنين النقود في جيبه.).

قلت في سري: لو كان لي صوت، لبعته.. ربما!

رددت ذلك مرات، حين كانت تتملكني رغبة أن يكون في جيبي قطعة نقود، كالتي يلعب بها أولاد السعدون في المدرسة ذاتها، أو في احتفالات العيد التي تستمر أيامًا؛ كما كانت تحز أعصابي أصوات الأبقار التي أمر بها تحت شجرة التوت حيث تربط ذبيحة العيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت