ذات مساء صيفي غاص بدخان روث مضاد للناموس، كنا على المصطبة، حين قطع عدي النجوم الأكثر إشعاعًا صراخ أنثوي حاد قادم من البيت الملاصق لدارنا. جفلت واعتدلت؛ تطلعت إلى أمي: كانت عيناها معلقتين بعيني أبي المبتسم. قلت:
أمي؛ إنه يضربها!
ضحكت:
-لا لا تزعل من أجلها! هي ليست…
ربتت على كتفي:
-لماذا لم تنم؟! تأخرت؛ ستفيق لترافق الماعز إلى المرعى!
ضحكت رفيقة الرعي حين أخبرتها، ولم تستغرب، حتى حين حدثتها بما جرى في ليلة تالية: جاءتنا المرأة ذاتها تركض، وكنا على المصطبة عينها، وعصاه تلاحقها، وألوان من النعوت التي تشتهى في أوقات أخرى. بكت أمي من أجلها طويلًا.
لكني لم أرو لها ما سمعت ذات مساء شتوي: كان أنين أمي المكتوم، وضحكها المشتت يتناوبان من الركن المظلم في بيتنا الوسيع. لم أدر إن كان علي أن أحزن من أجلها، أم أفرح! وبقيت عيناي مبعثرتين في ظلام يعجز عن إضاءته سراج شحيح.
قالت أمي:
حتى في هذه لا تنفع!
لم تكن المرة الوحيدة: كانت ترسلني، كلما مر حين من الزمن، أقف على طرف الحاكورة المقابلة للحرش، لأرفع صوتي محذرًا الثعلب المتربص بدجاجاتنا الوفيرة. فيخرج وشوشة، فتصيح:
-ويلي منك، وويلي عليك! هنيئًا لثعالب الدنيا بحراس من أمثالك!
قعدت، يومئذ، أندب حظي، وقلة حيلتي، وضعف صوتي. حين سمعت أصواتًا متلجلجة غير مفهومة قادمة من طريق الوادي القريب؛ جزعت، وكدت أهرب لولا أن شغلتني اللهجة غير العادية، واللحن الغريب، والمقاطع المتداخلة، دون أن أتبين كلمة واحدة، أو نغمة منسجمة؛ قبل أن يظهر، بعد حين، أخرس القرية المجاورة، عابرًا من جوار الحافة التي أختبئ خلفها، منتشيًا، منشغلًا، هازًا رأسه، منطربًا…
صديقي يطلق من فمه أصواتًا متقطعة، وهو يشد خيط طائرته الورقية المتعالية. كنت أرفع طائرتي، حين سألته:
-ما هذا؟!
-صوت الطائرة.
-ولكن صوت الطائرة يخرج من مؤخرتها.
سخر:
-من قال لك؟!
-أبي قال لي حين مرت طائرة حربية، سمعت صوتها بعد عبورها، فسألته.
-وما الفرق؟!
لم أجب .
وحين عبرتنا ذات أصيل صيفي محمر، مجموعة من الطائرات الشبحية، وترافق دويها مع أصوات انفجارات الخزانات التي تلينا، أحسست برائحة كريهة، اختلطت مع مشاعر الخوف والحيرة والشك! وفتشت عن صوتي طويلًا!