فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 33

لم يكن لصوتي حاجة، حين حاربنا كل الأعداء، وانتصرنا في فترات التدريب الصباحية والمسائية. وكنت أحرك شفتي مع الصوت الهادر الذي يرعب العدو في عمق تحصيناته، ويعيد كل الحقوق بخبطة قدم. لكن المشكلة برزت، حين كان علي أن أقسم. وطلب مني أثناء التحضير لحفل التخرج مرات، أن أعيد الكرة، بعد عقوبات وتهديدات. فقد خلص المشرفون بعدئذ إلى أن نقسم جماعة؛ لست متأكدًا إن كنت وحدي السبب في ذلك!

صرخت في وجهه:

-أنا غير موافق!

حين قال:

-كلكم موافقون، بالتأكيد.

-أنا غير موافق، وما تقوله غير صحيح، وأنت نفسك لا تؤمن به، ولا تمارسه؛ هؤلاء أيضًا لا يؤمنون، ولا…

وقف محتدًا، أراد أن يقاطعني، يسكتني. ويذكرني بالنظام والأكثرية، والصوت الوحيد النشاز، وبالشذوذ الذي يؤكد صحة القاعدة، وبالحصاة التي تتوهم أنها ستوقف التيار..

لكنه بدأ يتراجع، أسبل يديه، أطبق فمه. بعد أن وقفت، وقلت كلامًا كثيرًا، كلامًا أفكر في قوله منذ زمن، كاد يقتلني، يخنقني، يميتني.

بدأ صراخي يتعالى، ويدي تهتز، وعرقي ينز؛ الكلام يتهاطل بالجملة.. بدأت الكلمات متآكلة متداخلة؛ الصوت متواتر متلجلج..

تصاغر الذي كان قبل لحظات أمامي عملاقًا، تضاءل، تلاشى. لم أعد أحس بمن حولي؛ تهامسوا أول الأمر، وانشددت من قميصي لأسكت:

-مالك أنت؟! هل جننت؟! هل تريد أن تصلح ما أفسد الدهر؟! ولماذا تحمل السلم بالعرض؟! ومن الذي يدفعك؟! أو يحميك؟!

لم أعد أسمع أنفاسهم، زفراتهم، حتى موافقاتهم التي تلت ذلك، وكلمات التأييد التي كانت خافتة. ثم تعالت، حتى أن صوتي لم يعد بإمكاني تمييزه!

قالت زوجتي منقبضة الملامح:

-مع من تتخاصم؟! كنت تتعذب، وأنينك خافت؛ هل هذا كابوسك الدائم؟!

في الوادي البعيد، ثمة متسع من الفضاء الخالي من الكائنات: كنا نشرع أصواتنا، نتبارى بالصدى..

هل ما يزال هناك صدى ؟!

كان غروب الشمس قد بدأ بإلقاء نثار العتم على اللوحة الغارقة في الإبهام؛ أطلقت حجرًا صوب النهر الذي كان لصهيله نغم الحياة، ذات طفولة. تردد إيقاع ارتطامها بقاعه الصخري. تلاه نداء خرج من بين شفتي المتيبستين، باسم من كانت تشاركني الرعي والصراخ، وأشياء أخرى.. لا أدري كيف حدث ذلك، لكنه كان صوتًا مني، صوتي! أتبعته بآخر، وآخر… تواصل الصدى مديدًا، قبل أن تظهر على الضفة المقابلة من الوادي، على الصخرة المواجهة؛ تضرب خديها بكفيها، وتشد شعرها، وتنتحب..!

استقامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت