فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 33

خيول شاردة في برية لا تستطيع الامتداد أبعد، الخطوط المستقيمة تحد اللوحة على الجدار أمامي. لوحات أخرى تتوزع الجدران: أفكار متنوعة، وصور وأحلام وخيالات وألوان، وكلام منثور في بيادر تصلب بين استقامات متعامدة..

أهرب منها للتأمل بما حولي:

فضاء مقطوع باستقامات كثيرة تحشرني في إحدى زوايا هذه الغرفة، أو تخزني في أماكن عديدة، فتسيل الكآبات، وتطوف الخيبات على خلفيات باهتة في اتجاهات الغرفة جميعها. أحاول الهرب في أي منها، فيقيض محاولاتي انتصاب الجدران العنيدة.

أستقصي الثغور، أصطدم بحواف النافذة، وحروف الخشب الحادة. تتكاثر الشروخ، وتنمو الندوب، وتتأهب للحز حروف الباب والأبواب الأخرى، والبيوت القريبة والبعيدة المشرعة استقاماتها وحدودها القاطعة في أي اتجاه أنظر إليه، أو في أية دروب أطلق إليها ساقي. تعتقل نظراتي برهة، وتفكيري لحظة. وتطوف على رقبتي عددًا من المرات التي أكرر النظر فيها.. ثم تلقيني مطعونًا بعدد لا يحصى من الحراب، وتتركني معلقًا من رؤاي وأسئلتي:

أي شر هذا؟! أية قسوة وأية شراسة وعدوانية تمثلها تلك الاستقامات؟! وإلى أين تمتد؟! وكم تتعدد؟! وكيف تنتهي؟!

أتنقل من استقامة إلى أخرى، ومن صدمة الوصول إلى خيبة الابتداء من جديد: استقامات الواجهات المتجاورة، استقامة الشوارع المرسومة المحددة بأسهم موجهة بعناد، وخطوط ملونة، وأرصفة مستقيمة أركض عبرها، أحاول الهرب من هذه المدينة ذات الاستقامات والانعطافات الحادة بلا انتظام. تصطدم عيناي بأشياء تبعث بعض الرضى في النفس المشروخة: تكورات متعددة في هياكل أنثوية تمشي، تتحرك، تتمايل برؤوس لها أشكال مختلفة، لكنها ليست مستقيمة، مزينة بنتوءات وتعرجات في واجهاتها المتمايزة، ليست لها حدود واضحة محددة حادة. ألاحقها، عيناي تنزلقان على محيطاتها المحيرة الغامضة اللذيذة. فتنتقل من سطح إلى سطح، ومن نتوء إلى نتوء، ومن تعرج إلى آخر؛ تدخل في الثنايا، تخرج من الزوايا محملة ببريق جذاب، وشيء يدغدغ الذاكرة والإحساس واللحظة الحاضرة، ويترك في النفس رغبة وأملًا في متابعة الجري، ولذة تبعث على طلب المزيد.

لماذا يحدث هذا؟! وما الشيء الذي يجعل من تلك الاستقامات أدوات اغتيال؟! ومن تلك التعرجات والتكورات دروب مشاوير ممتعة؟!!

ولماذا كانت الاستقامة من أصلها؟!

من الذي اخترعها؟! وأي شيطان أمر بها؟! إذا كانت الطبيعة لا تعرف الاستقامة، ولا تقر بها أو تستخدمها؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت