لا الأنهار المدعوة إلى البحر يهمها أن تذهب إلا بالطرق الممكنة الأسهل. ولا الأشجار المنسوب إليها حب الانتصاب العلي يعيبها أن تتفرع وتتشعب، وتختلف ثخاناتها، وتتعرج حواف أوراقها. وليست الغيوم الباكية أو الصامتة مربوطة إلى أبعاد معروفة.
حتى هذه المطية المفلطحة التي تسبح في الفضاء، لا تسير وفق استقامة صارمة. ولا يشينها، بل ربما يزينها ويحييها تعرج سطوحها، وتناوب النتوءات والتجاويف بشروط غير محددة، ولا معلومة السبب والغاية. ومثيلاتها، تلك التي لا تعد، ليس لزامًا عليها أن تسلك طرقًا مستقيمة، ولا تبدو وفق أي نوع من الاستقامات.. وهل كان ينقص كل هذه الموجودات مثل تلك الاستقامة؟!
ولم كانت؟!
"الخط المستقيم أقرب مسافة بين نقطتين.."! و"هو أقصر الدروب.."!
هذا ما كرره أستاذ الرياضيات معتزًا بقدرته على الشرح، ومفاخرًا بهذه المعلومة التي لا تحتاج إلى طول برهان.
فماذا يعني هذا؟! وما الذي يجعلنا سعداء بمعرفته؟! وما كان الدافع إلى اكتشافه؟! ولم العجلة؟!
لتكن الطريق بعيدة ومتعرجة، هل هذا يحد من جمال الرحلة؟ أو يمنع من إمكانية التفكير في أن الوصول في حد ذاته لعبة مفترضة، وغاية متكهن بضرورتها؟! وغير مؤكدة النتيجة، وغير معلوم من ينتظرنا هناك؟!
أقرب الطرق سوط يجلد باستمرار، وأمر دائم الإلحاح؛ هل هي الرغبة في مماثلة الضوء أو التشبه به؟! هل هو التوق لاستباق الزمن أو مطاردته؛ تلك التي لن تجدي نفعًا؟!
ولماذا أنا ملعون بالاستقامة في كل مكان؟! ومطارد منها ومقتول بسهامها؟!
لو لم أكن مستقيمًا، ما كنت متكورًا هنا، في هذا الركن ذي الاستقامات الحادة، ومتهمًا بصفات لا ترحم، وبحوادث لا تنتهي فصولها ودعواتها ومرافعاتها، وتكفي كل منها لتعليقي في حبل شاقولي سيستقيم من أجلي، أو لجعلي دريئة تصوب إلي الرصاصات التي تسير وفق أقرب الطرق، لأستقر في النهاية في حفرة ذات حدود مستقيمة…
"هذا رجل مستقيم"! قالوا..
كنت كذلك.. لم أقبل أيًا من محاولات اللف والدوران، والخروج عن الخطوط المرسومة بإتقان، أو التي تصورت أنها كذلك، وظننت أني أسهر على تسهيل العبور وفقها. لكن أحدًا لم يعد يرغب بذلك أو يعجبه، كما يبدو، وبدؤوا يتناقشون حول جدوى اتخاذها سبيلًا، وصحة وجودها إلا في ذاكرتي القاصر.
من الذي ورطني وزرع في خلدي أن الاستقامة طريق الوصول السريع الآمن، وطريق السعادة وراحة الضمير والبال؟!