ها أنا أجتر ماضيّ الذي رسم بطريق الخطأ، حين قالوا مرات: هذا رجل مستقيم.
ثم أعادوها وكرسوها، وامتدحوا ذلك إلى درجة بقيت وحدي على الدرب المستقيمة، وغادر الآخرون إلى دروب أكثر نضارة وبهجة والتواء.
وما تزال اللعنة تطاردني، وتنهال علي من كل الاستقامات التي تجسمت معاقل وأقفاصًا، وخرج الآخرون منها إلى الطرق المتشعبة المتثنية بزهو وانتصار..
هنا في وحدتي وغربتي وبطالتي، تحاصرني أمداء مقطعة باستقامات مرئية وأخرى غامضة، وتخترقني إشعاعات من نوع مختلف، لكنها قادرة على الوصول إلي من كل الاتجاهات، وتتركني خرقة متكومة مثقوبة ومشروخة بعدد لا يحصى من الاستقامات..!!
ملاحقة
-إنه يسأل عنك..!
قال ومضى؛ شيعته حتى غاب عن ناظري.
لم أستفسر منه. ولم أتفوه بكلمة. فليس أول عابر ينقل إليّ هذا الخبر؛ سبقه عشرات ممن أعرف ولا أعرف، بأشكال تشبهني، أو تختلف عن هيكلي بدرجة مهمة.
في البداية، كنت أسأل الرسول عن ذاك الذي يسأل عني؛ شكله أو أية علامات تميزه..
وأدقق في مصدر معلوماته، دون جواب مقنع؛ بل كلام غائم غامض متردد، مع سرعة في التهرب من متابعة الحديث.
ورحت أتساءل بيني وبين نفسي عن معنى هذا اللغز.. ذاك السؤال:
أدائن تأخرت في تسديد دينه؟! لا أذكر أن هذا حدث مع غرباء؛ أما القريبون ففيهم من الجرأة ما يكفيهم عناء ذلك.
أم هو صديق قديم التقيته ذات فرصة، ثم غاب عن الذاكرة، يعود الآن؟!
ولكن.. ما الذي يجعله يتأخر كل هذا الوقت في السؤال عني؟! هل المودة فياضة إلى الحد الذي يجعله يرسل إلي إشارات عن قدومه مع كل هذا العدد من الأحياء؟! أم نجاحه الباهر يقف وراء تذكره لي، وشماتة ظاهرها الحب والإخلاص؟!
هل هو عدو ما برحت معاركنا تتجدد، جاء في مواجهة لست مهيأ لها الآن. هل عرف هذا عن طريق جواسيسه، أم أصدقائي المقربين الذين لا ينامون الليل قلقًا علي، وخوفًا على مصيري؟!
ربما كان معجبًا، اطلع على تاريخي الذي لا يخلو من لحظات نشوة وومضات سعادة ونجاح لم تعمر طويلًا؛ جاء حبًا في المزيد من إلقاء الضوء على تجربة امتدت سنين.
أم أنه شبيه، وجد في حالتي التي تبالغ وسائل الإعلام في تضخيمها، سمات مشابهة لمعاناته، فأحس أن في إمكانية التقائنا فرصة لتبادل الندب والعويل، وفي مصيبتي تخفيفًا عن آلامه، واستفسارًا عن جدوى العلاج؟!