"تركت هذه الفكرة المنطقية ظلالها على عقول الباحثين من علماء النحو الذين نقلوها بدورهم إلى دراستهم" [1] .
وقد وجد هؤلاء الناقمون على (العامل النحوي) بغيتهم فيما سطّره العالم الأندلسيُّ الظاهريُّ الكبير ابن مضاء اللخمي رحمه الله في كتابه (الرد على النحاة) ، وطفقوا يبدئون ويعيدون فيما قاله ـ رحمه الله ـ ويتخذون منه حجة وذريعة إلى التشنيع على النحاة السالفين وكأنهم يقولون: وشهد شاهد من أهلها [2] .
وليس يزعمُ أحدٌ أن النّحاة معصومون، ولا أن آراءهم تنزّلُ منزلة المقدّس من النصوص، بل نحن نؤمن جميعًا أنّ نظريّة العامل وغيرَها من الأفكار النحْويّة ليست وحيا يوحى، ولا هي آراء منزهة عن النقد بل مثلها ومثل القائلين بها ـ كما قال الخليل رحمه الله ـ"مثل رجل حكيم دخل دارا محكمةَ البناء، عجيبة النظم والأقسام، وقد صحّت عنده حكمة بانيها بالخبر الصادق أو البراهين الواضحة و الحجج اللائحة؛ فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال: إنما فعل هذا هكذا لعلة كذا وكذا، ولسبب كذا وكذا، سنحت له، وخطرت بباله محتملةً لذلك، فجائزٌ أن يكون الحكيم الباني للدار فعل لذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار، وجائزٌ أن يكون فعله لغير تلك العلة ... فإن سنح لغيري علّةٌ لما علَّلْتُهُ من النحو هو أليق مما ذكرته بالمعلول فليأت بها" [3] .
"إلا أننا مع هذا الذي رأيناه وسوغنا مرتكبه لا نسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة التي قد طال بحثها، وتقدم نظرها، وتتالت أواخر على أوائل، وأعجازا على كلاكل، والقوم الذين لا شكَّ في أنَّ الله سبحانه وتقدست أسماؤه قد هداهم لهذا العلم الكريم،"
(1) أصول النحو العربي للدكتور محمد عيد ص: 203، وانظر العلامة الإعرابية في الجملة للدكتور حماسة ص: 168.
(2) انظر في بيان اضطراب رأي ابن مضاء ما سطره الدكتور البنا ـ حفظه الله ـ في دراسته التي صدر بها تحقيقه لكتاب الرد على النحاة ولاسيما ص: 20.
(3) الإيضاح في علل النحو للزجاجي ص: 66.