مفهوم الواقع في (فقه الواقع)
دكتور محمد خروبات
كلية الآداب ـ مراكش - المغرب
كثير من مفكري الإسلام المعاصرين يتكلمون عن (الواقع) ، ويريدون منه جانبًا واحدًا فقط هو الواقع المعاش، لكن الواقع المقصود في عملية الفهم، وفي إطار المنهجية الإسلامية المرادة للمعرفة الشرعية هو واقعان، واقع الفيزيقا وواقع الميتافيزيقا، واقع الشهادة وواقع الغيب، فواقع الميتافيزيقا أو واقع الغيب هو واقع، وواقع الفيزيقا أو الشهادة هو واقع، هناك إذًا ربط حيوي بين ذاك الواقع وهذا الواقع. كان الإنسان منذ الأزل في ذلك الواقع، وفيه كان الخلق، وكانت المسؤولية، وكانت الأمانة، وكان الميثاق، وفيه كانت الخطيئة أيضًا، وبسببها نزل آدم وحواء وإبليس إلى هذا الواقع لتكتمل المسيرة.. وجاء الهدى مع آدم وبعده.. على أن العلاقة بين الواقعين لم تُقطع.. بل هي قائمة برجوع الإنسانية بعد الموت إلى واقعها الأول، لا لغرض أن تكون كما كانت، ولكن لتحاسب عن الهدى والبينات التي نزلت إليها في واقع الفيزيقا من واقع الميتافيزيقا.. ولن تكون فيه كما كانت إلا بعد عملية الحساب، وواقع الفرد هناك ما هو إلا نتيجة عمله في هذا الواقع.. أو ليس ذلك الواقع بمعنى أيضًا في عملية فهمنا للواقع؟
لندع ذلك الواقع ولنلج في هذا الواقع، حيث تقودنا عملية الفحص إلى رصد ثلاثة أنواع من الواقع: واقع هو أيضًا من الغيب، لا يعلم ولا يعرف، وهو من المستأثر بعلمه في علم الله، وهذا يحثنا أن نطلق عليه (واقع الغيب المطلق) ، وواقع كان بالأمس في الغيب لكنه أصبح بالكشوفات العلمية والمخبرية والميدانية معلومًا، وهذا نطلق عليه (واقع الغيب النسبي) ، وواقع مرئي ومشاهد نطلق عليه «واقع الواقع» ، والمراد به الواقع الفيزيائي وما حوله من مجتمع وحضارة وثقافة وعمران وإنسان وحيوان وجماد... هذه الأنواع الثلاثة تشكل واقعًا واحدًا هو الواقع الذي وضعناه في مقابل واقع الميتافيزيقا.