إن واقع الميتافيزيقا هو واقع واحد لا يتجزأ، لكن واقع الأمة هو واقع مجزأ، ومن الظلم أن نتكلم عليه كواقع واحد.. إنه وقائع متعددة، وهذا التعدد هو بحد ذاته مشكلة قائمة. كيف نوحد بين هذه الوقائع لتكون واقعًا واحدًا، إن الله جعل المسلمين أمة، وجعل لهذه الأمة شريعة ومنهاجًا، لكنه جعلها واحدة موحدة، إلى من فَقِهَ الواقع ونظر في بئر الواقع وانقسامه أولًا قبل الاشتغال إلى مشاكل الواقع الأخرى.
حين يدور الحوار حول مشاكل الواقع تظهر قضية أخرى وهي أن كل واحد يتناول من تموقع معين، فالبعض يهرب إلى التاريخ، وآخر يعتصم بمذهب معين، وآخر يقف في تخصص معين، وآخر يرفع منهجًا معينًا، في حين ينبري أصحاب (الواقعية) من خَلْفِ الغِلاف ليسلموا للواقع بكل سلبياته، وتحت مظلة تأثير الواقع في الفكر يحمل فكرهم براثين كثيرة من سلبيات الواقع وجراثيمه، إن الواقع في حد ذاته ليس جهة إذا خالف الصواب، ولا يمكن للعقل أن يسلم للواقع بالخطأ والانحراف لمجرد أنه واقع، ويلزم للتأثير فيه تغييره أو تبديله وفق مقاصد الوحي وأحكامه، ولابد لذلك من أدوات فاعلة.. وهنا تُفتعل مشكلة أُخرى:
يقولون إن الواقع متخلف ومأزوم، ودراسة الواقع بأدوات هي منه يعني دراسة الأزمة بالأزمة، فلابد من اختيار أدوات من خارجه.. وهذا يوقع في إشكال آخر، لأن الأدوات التي تؤخذ من واقع آخر من شأنها أن تؤشر على الواقع سلبًا إن لم تزد إلى مشاكله مشاكل.. كيف أسلّم لأداة هي من جنس تراث آخر، وربما هو نقيض أو ضد لتراث الواقع المراد دراسته، علمًا أنّ هذه الأداة لابد وأن تعكس تراب واقعها بأي شكل من الأشكال.. لابد إذًا من النظر في الأداة وتخصيصها بالبحث والدراسة قبل النظر بها في الموضوع، ولابد من مقابلة بين أداة الخصوصية وأداة الغير للنظر فيما يخدم المنهج المعد لمقصدٍ حددناه سلفًا.