إن تعدد الواقع يفترض تعدد نمط من الفقه، ويتعدد الفقه بتعدد الواقع، ويسلك سبلًا في الاجتهاد بحسب نوع المشكل الموجود، ولا نعني بالفقه هنا علمه كما هو في علم الفقه وعلم أصول الفقه، إنما نعني به التفقه، وهو بمعنى الوعي الكامل، والمعرفة الناضجة، الحيّة، والعقل الواعي المتابع لأزمات الواقع، العقل اليقظ، المتفاعل، وحين ينظر العقل الذي هو بهذه المواصفات إلى مشاكل الواقع من منظور الإسلام يتعدد الفقه ليصبح أنواعًا متكاملة، أنواعًا في التكامل، وتعددًا في وحدة إطار المنهجية الإسلامية، من ذلك:
أولًا: فقه النص.
ثانيًا: فقه الواقع.
ثالثًا: فقه تنزيل النص على الواقع.
رابعًا: فقه ما سيقع، أو فقه المآلات.
وإذا ذكرنا هذه الأنواع فإنما لنعدد مرتبة (فقه الواقع) من بين فقه النص وفقه التنزيل وفقه المآلات، فمرتبته في رأينا هي الثانية، بعد فقه النص وقبل فقه التنزيل.
يدخل في (فقه النص) : علوم الحديث والسنة النبوية، وعلوم القرآن، وعلم التفسير، وعلم القراءات واللغة، وبحدودٍ نسبية علم أصول الفقه.
ويدخل في فقه الواقع: حسن تمثل مشاكل الواقع عن طريق الوعي الكامل، والتدبّر اليقظ، فالمطلوب من (فقه الواقع) هو منهج التعامل مع الواقع، حيث يدرك المسلم حسن توجيه الشريعة له في الحياة العامة كما كان عليه الرسول (ص) والصحابة، كانوا (فقهاء) بلا علم فقه.. ولا مانع هنا في عملية معرفة الواقع وتمثله من استخدام مناهج العلوم الإنسانية التي تبدو ضرورية في عملية الفهم...